عاجل

مجتمع غير شمولي

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ دقيقتين — الأحد — 26 / مايو / 2019

مجتمع غير شمولي

مجتمع غير شمولي

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يمكن أن نعتبر شهر رمضان كاشفا للحالة الاجتماعية والثقافية فى كثير من جوانبها بمجتمعنا، يثبت هذا الشهر أن لدى المصريين إحساس عال بضرورة وأهمية التكافل الاجتماعى، تأمل ظاهرة موائد الرحمن مثلاً، التى كانت فى بداياتها موضعا يلتقى فيه عابر السبيل والغريب مغ الفقير والمحتاج، الآن باتت جزءا من طقوس هذا الشهر، ولم يعد من الضرورى أن يكون مرتادها بالصفة السابقة من الفقر أو الغربة؛ كشف هذا الأمر أن هناك أناسا لديهم رغبة فى العطاء والتطوع بفعل الخير، ويؤذيهم إنسانيا وأخلاقيا واجتماعيا أن يكون بيننا من لا يجد القوت الضرورى، لذا فإن التكافل الاجتماعى؛ تجاوز موائد الرحمن إلى ما بات يحمل اسم «شنط الخير» أو «كرتونة رمضان» التى يقدمها أفراد عاديون أو مؤسسات ورجال أعمال، وقد وجدنا هذا العام مشاركات لبعض الكنائس المصرية فى هذا العطاء؛ ومنذ أيام قال مسؤول كنسى إن شهر رمضان لم يعد للمسلمين فقط، ولكنه لنا أيضا؛ كانت الكنيسة المصرية تقيم سنويا مائدة إفطار ضخمة، تحت مسمى «إفطار الوحدة الوطنية»، وما زال هذا التقليد قائما إلى اليوم فى عدد من المحافظات، وأيضا بعض كنائس القاهرة، باختصار تحول الشهر من حالة دينية إلى حالة اجتماعية، وطنية، تكشف عمق الترابط والرغبة فى التواصل الاجتماعى والإنسانى، وهذا أنبل ما فى الحالة أو الظاهرة الدينية أن تتحول وتصبح ظاهرة إنسانية، تستهدف الإنسان بما هو إنسان، والمجتمع بكافة فصائله وطوائفه.Sponsored Links

هذه الموجة من التكافل الاجتماعى، امتدت إلى مجالات الصحة والطب، أى التبرع لبناء مؤسسات علاجية للمواطنين بالمجان، وإلى تأسيس وإقامة مؤسسات للخدمات العامة؛ ليس فى القاهرة فقط، بل خارجها أيضا بمختلف المحافظات والمدن المصرية، وأتمنى لو أن هناك دراسة إحصائية لعدد تلك المنشآت، وتكلفة كل منها فى التأسيس، فضلا عن تكلفة التشغيل والإدارة.

وسوف نجد أن معطم التبرعات تتدفق على هذه المؤسسات فى شهر رمضان المبارك، وهكذا فإن المصريين انتقلوا منذ الدولة الطولونية ثم دولة الفاطميين بالشهر الكريم من كونه شهر للعطش وللجوع وللتعبد فقط، ليكون شهرا للاحتفال والابتهاج، وها هم الآن يجعلون منه إلى جوار ما سبق شهرا للعطاء وللتكافل الاجتماعى، هذا الشهر يكشف حيوية وقوة هذا المجتمع، أعرف أن هناك من يلاحظ سوء استغلال هذه الروح من البعض، حيث نجد إعلانات سخيفة ومستفزة تطالب الناس بالتبرع، وإعلانات تحمل قدرا من المن والمزايدة على الفقراء وما تقوم به بعض الجمعيات بخصوصهم؛ هذا كله صحيح ولابد من تصويبه، لكن تبقى الظاهرة صحيحة وهى الرغبة فى العطاء والدعم والتكافل، ذلك الجهد الاجتماعى والإنسانى والفردى، بات يقابله جهد أيضا من الدولة، فيما سبق كانت الدولة تنسجب أمام هذا الجهد وتكاد أن تستقيل من أدوارها لصالح جماعات وأفراد، تستغل هذا الفراغ، وقد ثبت أنها جماعات حاولت توظيف ذلك سياسيا وأيديولوجيا لصالحها.

فالمواطن المتبرع أو صاحب العطاء، يلتزم بالقاعدة الإسلامية فى أن ما يقدمه يجب أن يكون فى سرية، فلا يصاحبه أى مَن أو زهو على الآخرين، النص هو أنه لا يجب أن تعلم يسراك ماذا قدمت يمناك، وقد استفادت تلك الجماعات من حرص صاحب العطاء على الكتمان، طمعا فى ثواب الله، وراحت تتجاوز وتخرق روح الدين وقواعده لتعلن أنها صاحبة هذا العطاء وتضع خاتمها وشعارها عليه، ثم هى تحاول تجنيد المستفيد من ذلك العطاء، استغلالا لاحتياجه وتطالبه بالمقابل السياسى والولاء لها، وهذا أيضا خرق وتجاوز لمعنى ومفهوم التكافل الاجتماعى والعطاء فى الدين، والذى حدث أن المجتمع المصرى كله استوعب هذا الدرس؛ وهكذا بات يوجه العطاء ويتدخل فى توزيعه وتقديمه لمن يستحق، والمتلقى يعرف أن هذا العطاء ليس مشروطا ولا هو مزايدة عليه أو مقايضة معه، بل هو حق له، ليس منة من جماعة ولا تفضلا من فصيل بعينه.

الدولة أيضا استوعبت هذه المعانى، وأدركت أن هناك فئات بالمجتمع تحتاج المعاونة والمساعدة طوال العام فكانت برامج الحماية الاجتماعية التى تقوم عليها وزارة التضامن مثل «تكافل وكرامة» وغيرها، ناهيك عن اتخاذ خطوات جادة لتحسين اوضاع المواطنين بالنسبة للرواتب وللمعاشات، فضلا عن مشاريع أخرى مثل الإسكان والصحة وغيرها وغيرها؛ أما فيما يخص هذا الشهر فإن الدولة تقدم العديد من المبادرات، لعل من أبرزها اتجاه السيد رئيس الجمهورية إلى العفو عن مئات من المحكومين والمدانين قضائيا بمثابة أن تكون هناك مبادرة أخرى بهذه القوة مع قدوم عيد الفطر المبارك. شهر رمضان يثبت، على غير ما يرى البعض، أن هذا المجتمع حى، قوى وعفى، يدرك مشاكله جيدا وعلى استعداد للتدخل فى حلها، وأن الحكومة ليست هى الطرف الوحيد الذى يجب أن يكون فاعلا فى مواجهة المشكلات، بحكم مسؤوليتها القانونية والدستورية؛ المجتمع أيضا مسؤول وعليه دور.

وهناك من يمتعض من تلك الحالة ويهاجمها بضراوة؛ هؤلاء الممتعضون، يريدون للحكومة أن تقوم بكل شىء، وأن يكون المجتمع مجرد مستقبل ومتلقى فقط، باختصار يريدون حكومة شمولية ومجتمعا شموليا أو كسيلا وبليدا، وقد ثبت تاريخيا أن هذا غير قابل للحدوث، فضلا عن النجاح فى مجتمعنا المصرى، بل وفى معظم المجتمعات الإنسانية.

ما يكشفه شهر رمضان ليس جديدا على مجتمعنا، هذا المجتمع أقام الجامعة المصرية بتبرعاته وعطاء أفراده، مطلع القرن العشرين، وكان هناك من تبرع للجامعة بمبلغ اثنين مليم، هى كل ما يمكنه المساهمة به، وهناك من تبرع بعشرة آلاف جنيه، حدث ذلك فى وقت راهن فيه لورد كرومر والإنجليز على أن المصريين سوف يفشلون ويعجزون لكنهم ما عجزوا ولا فشلوا، بل أسسوا الجامعة العريقة، وهكذا الحال بالنسبة لعدد من المستشفيات الكبرى، ثم بعد ذلك كان النموذج العظيم بتأسيس بنك مصر عقب ثورة 19، وقد لا يعرف كثيرون أنه قبل تأسيس وزارة الشئون الاجتماعية، كانت الجمعيات الخيرية والأفراد المحبون للعطاء والقادرون عليه، كانوا هم الذين يتحملون معاونة الفقراء على مواجهة أعباء الحياة؛ بل إن تأسيس هذه الوزارة سنة 1939 كان نتاج عمل وجهود أفراد وجمعيات أهلية عديدة. هذا المجتمع معطاء وحى، رغم كل ما يبدو من بعض السلبيات والشوائب.

المهم الآن كيف نجعل روح العطاء تلك تستمر طوال العام بهذا الزخم ولا تنقطع، ومتى يدرك البعض أن السياسة الحقيقية هى الذهاب إلى الناس حيث هم، ومد اليد إليهم؛ وليس الاستعلاء والتأستذ عليهم وادعاء الحكمة!!

e647b01f4a.jpg

------------------------
الخبر : مجتمع غير شمولي .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

------------------------
الخبر : مجتمع غير شمولي .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : أسرار الأسبوع

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق