الثقافة للجميع ... قراءات.. فى حب توفيق الحكيم

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الاجيال الحرة .. السبت 11 يوليو 2020 06:15 صباحاً ... داليا يسرى
نشر في: السبت 11 يوليه 2020 - 6:06 ص | آخر تحديث: السبت 11 يوليه 2020 - 6:06 ص

عندى قناعة راسخة تكاد تقترب من اليقين، بأن ثمة علاقة خفية دائما ما تربط بين اسم الشخص وكيانه الحقيقى. أظن أن هذه القناعة تتزايد كلما حدث وطالعت صفحات من كتابات الأديب الراحل «توفيق الحكيم» اسما ومضمونًا. إن «الحكيم» هو العملاق الذى يفصلنا اليوم عن تاريخ رحيله ما يزيد عن الثلاثين عاما، بعد أن عاش حياة مديدة عامرة بالتجارب وزاخرة الآلام انعكست بدورها على صفحاته وأعماله بالشكل الذى يجعلها تفيض بالحكمة المستمرة.
هذه الأعمال الأدبية الرائعة، لم تكن لتصل إلى متناول يد أبناء هذا الجيل بسهولة لولا أن قررت دار الشروق أن تمنحها شيئًا قد نُطلق عليه «قبلة الحياة»، وتعيد طباعتها وتوزيعها بشكل جديد. فى عمل قد يُنظر إليه باعتباره واحدا من أكبر الخدمات التى قدمتها الشروق إلى الوسط الثقافى العربى برمته وليس المصرى فقط. ولكن هنا يطرح سؤال نفسه، هل كل الأعمال المنشورة تملك نفس القدرة على الاستمرارية والبقاء والمواكبة تمامًا مثلما تملكها أعمال الحكيم؟!
هناك حقيقة تقول إن الأدب هو مرآة لعصره، ولكن الأديب العبقرى فقط هو من يملك القدرة على أن يجعل من كتاباته مرآة مستمرة لكل العصور. وبهذه الطريقة فقط من الممكن أن نشرح كيف يبدو لنا أدب العقاد مناسبًا وساحرًا حتى فى الوقت الحالى! وبمعنى آخر ليس كل أدب يستطيع أن يسافر عبر الزمن، فهناك بعض الكلمات لا يمكن أن تتجاوز أكثر من كونها مجرد حبر على ورق، سوف يفنى بفناء صاحبها وتوالى السنوات من بعده. ولكن «الحكيم» له شأن آخر، فهو صوت عبقرى يؤكد فى كل عمل وعبر كل سطر من سطور صفحاته، أن صوته أعمق من السنين وأطول من عمره ومن عمر كل من عاصروه فى أثناء حياته.
وبهذه الطريقة، أظن وأنا ابنة هذا الزمان أن ثمة لقاءات كثيرة جمعت بينى وبين «الحكيم». كان أولها فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2017، وهناك عندما هرعت نحوه بمجرد أن لمحت مسرحية «مصير صرصار». وبعد أن انتهيت من مطالعة هذه المسرحية، أدركت بوضوح كيف يخبرنا «الحكيم» عن تفاصيل العوالم الأخرى التى تشاركنا بالحياة على نفس الكوكب. وكيف من الممكن أن ينطوى أكثر الأمور التى تثير اشمئزازنا على نمط حياة آخر خاص بها.
لم تتوقف لقاءاتى مع الحكيم عند هذا الحد، إذ إننى اكتشفت منذ مطالعة أولى كتاباته أنه يملك سحرًا خاص به، يدفعك إلى الانزلاق بشكل لا إرادى خلف ملاحقة وقراءة كل ما يُتاح لك من كتاباته. الأمر ببساطة يتلخص فى أنك بمجرد أن تبدأ فى القراءة لـ«الحكيم«، لن تتوقف عن متابعة الأمر أبدًا. وكانت لقاءاتنا فى الحقيقة متعددة وكثيرة، بشكل تضيق السطور عن شرحه والتعمق فى سرد تفاصيله.
أفضل الآن إلى الذهاب نحو الحديث عن اللقاء الذى جرى عبر صفحات مسرحية «سميرة وحمدى»، هناك حيث تتجلى روح الأديب وانسانيته فى أبهى صورها. عندما يقوم «الحكيم» بكل براعة بعرض صورة أخرى لحياة خرافية فى بُعد آخر داخل حياة عادية للغاية تملؤها الرتابة والملل للزوجين سميرة وحمدى. وتأخذنا الأحداث ويروى «الحكيم» كيف أن «حمدى» بطل مسرحيته كان انسانًا رتيبًا لا يأبه للعلم ولا يكترث للقراءة، ولكن عندما حدث الأمر وانفتحت بوابة أخرى تُطل على بُعد مختلف من أبعاد الحياة عبر حائط منزله، يشاهد من خلالها حمدى وزوجته قصة الجريمة الشنعاء وما ترتب عليها من معاناة، تتغير حياته تمامًا بعد ذلك ويصبح شخصًا جديدًا ذا أولويات مختلفة تمامًا عما سبق.
إن ما يسحرنا ويجذبنا فى كتابات «الحكيم» لا يكمن فقط فى روعة القصة، أو جماليات الصياغة، وانسيابية الإحساس القادم من وراء السطور. ولكن الحقيقة ما يجذبنا نحوه، قد يكون هو صوته الذى يخاطب احساس القارئ ووعيه ووجدانه فى اثناء انغماسه فى القراءة. وهو الأمر الذى ينتج عنه أن تخرج من القصة وكأنك شخص جديد، ينظر إلى نفس الفكرة بشكل مختلف وبعيون مُفكرة وقلب ناقد. وفى الطريق أثناء ذهابك إلى العمل أو عودتك، أو كلما خلوت بنفسك لن تتوقف أبدًا عن التساؤل حول تفاصيل واعماق تلك القصة المدهشة التى عرضها الحكيم، وكل ما تحتويه سطورها من معانٍ ومفاهيم إنسانية عظيمة. إن الأمر ببساطة يشبه أن يكون صوت «الحكيم» هو الصوت الذى يخرج من الأوراق حتى يخاطب الضمير الإنسانى.
الذكاء الأدبى عند «الحكيم» يتجلى كذلك فى الطريقة، التى يعرض بها لثلاثية الأولويات القصوى عند نماذج مختلفة من البشر فى مسرحية «رصاصة فى القلب». أحداث المسرحية تدور بين ثلاثة أبطال «سامى ــ فيفى ــ نجيب»، وبطريقة خفية يكشف «الحكيم» من خلالهم عن وجه آخر لثلاثية الأولويات «الحب ــ الصداقة ــ المال»، ويجيب عن المعضلة التى حيرت البشر حول من منهم يأتى فى المقدمة؟!
بهذه الطريقة يبعث لنا «الحكيم» من خلال مسرحيته رسالة مفادها، أن أولويات الإنسان هى الطريقة التى يمكن من خلالها أن نحكم على معدنه الحقيقى. من هذا المنطلق، نرى كيف تفضل شخصية «نجيب الفاشل» الصداقة قبل أى شىء آخر، وعند «فيفى المُدللة» يأتى الحب أولا، وفى النهاية سوف تكتشف أن «سامى» الطبيب النابغة لا يأبه لأى شىء فى الحياة سوى المال.
الحقيقة أننى وقعت فى حُب توفيق الحكيم منذ اللقاء الأول، وتعمقت فى حبى له بعد ذلك كلما حدث وقرأت المزيد من كتاباته. وعندما فكرت أن أصف حقيقة ما أشعر به تجاه «الحكيم» وإبداعه، شعرت أن لسانى يعجز عن وصف هذا القدر غير المسبوق من الإبداع الراقى المستمر. وقررت أن اقتبس من كلماته الخاصة ما يمكن أن ينعكس على أعماله هو نفسه. الحديث هنا يدور عن فقرات مقتبسة من مجموعته القصصية «عدالة وفن»، ويقول «الحكيم» فى وصف الفن الحكيم «أن الفوارق بين الماس والزجاج والذهب والنحاس هى فوراق فى الإشعاع والزمن، والأمر كذلك فى مجال الفن. فهناك عمل فنى بارع جدًا ولكن إشعاعه ضعيف، والإشعاع غير البريق.. فقد يكون له بريق خاطف حقًا، كبريق النحاس المجلو، ولكنه يصدأ بعد حين.. وتاريخ الفن يدلنا على أعمال فنية كانت غاية فى البراعة والبريق فى عصرها، ثم صدئت وانطفأت بعد ذلك انطفاءة الأبد، كما يدلنا على أعمال فنية أخرى لم يكن لها مثل تلك البراعة والجاذبية واللمعة فى وقتها، ولكنها استطاعت أن تحتفظ بما لها من إشعاع داخلى على مدى العصر التالية. إن البريق وحده يخطف البصر، ولكنه لا ينفذ إلى الأعماق.. أما الإشعاع فقد لا يخطف البصر كثيرًا، ولكنه ينفذ إلى أعماق النفس وإلى أبعاد الزمن: أى طبقات الأجيال، وهذا هو المقياس الملموس لقيمة الفن». وعن النجاح الفنى، يتابع الحكيم فى وصفه قائلا «إن باب التاريخ من بلور سميك لا ينفذ منه مجرد تصفيق النجاح، ولكن الذى ينفذ منه هو شعاع الجوهر الذى ينفع الناس فى كل عصر ويولد طاقات.. لأن ذاكرة التاريخ الفنى لا تُشحن إلا بالاشعاعات والطاقات، لأنها هى التى تدفع المحركات التى تسير بها الإنسانية».
وفى ضوء عبارات الحكيم، وددت أن أمنحه عميق شكرى وامتنانى نظير كل معنى انسانى، وكل حكمة تسببت كتاباته فى صياغتها بشكل مختلف وجديد فى نفسى.

------------------------
الخبر : الثقافة للجميع ... قراءات.. فى حب توفيق الحكيم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : الشروق - ثقافة

أخبار ذات صلة

0 تعليق