الثقافة للجميع ... سمير فؤاد يكتب: سفينة الحرب تمارير تسحب إلى مستقرها الأخير

0 تعليق 7 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ


الاجيال الحرة .. السبت 11 يوليو 2020 06:24 صباحاً ... نشر في: السبت 11 يوليه 2020 - 6:21 ص | آخر تحديث: السبت 11 يوليه 2020 - 6:21 ص

يعتبر الفنان وليام تيرنر (1775ــ1851) من أشهر الفنانين البريطانيين عبر تاريخ التصوير الأوروبى منذ عصر النهضة إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق.. وهو من أقطاب المدرسة الرومانتيكية فى الفن والتى سادت الفنون التشكيلية والموسيقى والشعر والأدب فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.. وكانت هذه المدرسة تعلى من قيمة الحواس والإلهام واللجوء إلى التعبير عن الحالات المزاجية والانفعالية على حساب الرؤية الواقعية أو الوصفية.
ولد تيرنر فى لندن وعاش فيها كل حياته وكان طفلا نابغا وقد التحق بالأكاديمية الملكية للفنون وهو فى سن الرابعة عشرة وعرض أول أعماله فى المعرض السنوى وهو فى سن الخامسة عشرة، وهو إنجاز غير مسبوق.. وفى عام 1807 عين أستاذا فى الأكاديمية وتركها فى عام 1828 ليعيش بعد ذلك متفرغا لفنه.. وكان يميل للعزلة وعرف عنه غرابة أطواره وتفاديه للعلاقات والطقوس الاجتماعية برغم شهرته الكبيرة.. وكان يحب الترحال سواء فى أوروبا أو داخل بريطانيا.. وسجل فى لوحاته مشاهد من الأماكن التى زارها خاصة فى دفتر إسكتشاته الذى كان لا يفارقه فى روحاته وغدواته.. وكان تيرنر من أساطين الملونين بخامة الألوان المائية وأحدث نقلة نوعية فى استخدامها لاقتناص اللحظة خاصة تلك التى تعبر عن التغيرات العابرة لحالة الضوء فى الطبيعة.. وتعتبر تلك العجالات أو الإسكتشات التى سجلها بالألوان المائية فى دفاتر إسكتشاته العديدة نماذج شامخه فى تاريخ فن الألوان المائية.
وصف الفنان والناقد الفيكتورى جون رسكن فن تيرنر بأنه «الفن الذى يستطيع استخلاص روح الطبيعة».. فقد وصل تيرنر فى لوحات المنظر الطبيعى التى صورها إلى آفاق لم يصل إليها فنان من قبله.. كانت بجوها الأثيرى وفوراتها وتقلباتها تعبر عن الحالة الحسية للطبيعة وتقلباتها من عنفوانها وضراوتها فى العواصف وسكونها ورقتها عندما تهدأ.. ومع تقدمه فى السن اختفت أو كادت العناصر من شخوص وأشجار وجبال وتحولت إلى خيالات.. وطغت على اللوحة دفقات الألوان الكروماتيكية التى تعبر عن روح المنظر وحالات انسكاب الضوء على السهول والتلال.. ووصلت لوحاته الأخيرة إلى مزيج شاعرى ساحر من التأثيرية والتجريدية وذلك قبل أن يظهر أى منهما على الساحة الفنية.. ولذلك كان جون رسكن محقا عندما وصفه فى آخر حياته بأنه «أبو الفن الحديث».. وقد كان للوحاته تأثير كبير على مجموعة التأثيريين خاصة كلود مونيه الذى درسها بعناية.. كما امتد تأثيره لما بعد التأثيريين وحتى الآن.. ولنا فى اللوحات التجريدية للفنان الأمريكى مارك روثكو والفنان الألمانى جيرهارد ريختر مثال على هذا.. ونحن الآن عندما نشاهد لوحات تيرنر من مراحله الأخيرة تثير حيرتنا ودهشتنا بمدى معاصرتها وكأنها لفنان ما زال يعيش بيننا.
عرض تيرنر لوحة سفينة الحرب تمارير عام 1839 فى المعرض السنوى للأكاديمية الملكية فى لندن وكان قد أتم رسمها فى عام 1838.. ومنذ عرضها وهى تعتبر من أروع وأشهر أعماله وكانت من الأعمال الأثيرة لديه.. وظل محتفظا بها فى مرسمه حتى وفاته وبعد ذلك آلت إلى المتحف القومى البريطانى «الناشيونال جاليرى»، حيث ما زالت معروضة فيه حتى اليوم.
تستدعى اللوحة أفول عصر وبزوغ عصر جديد بمهارة شديدة.. فها هى سفينة الحرب تمارير ذات الماضى المشرف فى الحروب والتى قاتلت ببسالة فى معركة الطرف الأغر قد هرمت وعفا عليها الزمن.. تقطرها قاطرة بخارية إلى المرفأ الذى سيتم تفكيكها فيه للاستفادة من أخشابها.. التقابل بين أفول عصر طاقة الرياح وبزوغ عصر طاقة البخار تؤكده معالجة تيرنر فتبدو التمارير بألوانها الشاحبة وصواريها السامقة كشبح من الماضى يتهادى فوق صفحة الماء ولتأكيد هذه الحالة يؤطرها تيرنر بمثلث من السماء الزرقاء.. ثم يعاكس هذه الحالة بتلك القاطرة المعدنية ذات الألوان الساخنة التى تبصق من مدخنة مغروزة فيها عمود كثيف من الدخان البرتقالى القاتم وخلف المدخنة يرتفع صارى يرفرف عليه علم أبيض.. وتقود هذه المتوالية من الرأسيات العين من المدخنة مرورا بالصارى ذى العلم إلى صوارى التمارير السامقة.. وعلى يمين اللوحة تؤكد الشمس الغاربة لحن الأفول بانعكاسات برتقالية وحمراء وصفراء تخضب السماء وسطح الماء من تحتها وتردد بها ألوان عصر البخار.. ويستدعى هذا الجزء من اللوحة إلى الذاكرة لوحة كلود مونيه الشهيرة انطباعات شروق الشمس والتى كانت فاتحة عصر التأثيريين.. وفى مقابل الشمس على يسار اللوحة يبزغ هلال القمر الفضى عاكسا بريقه على سطح المياه.. ويتكون من ثلاثية قرص الشمس والعلم الأبيض وهلال القمر محور صاعد يتوقف ثم يقود الخط الرأسى لانعكاس ضوء القمر على السحب العين هبوطا إلى انعكاس ضوء القمر على صفحة المياه.
برغم وعى تيرنر الواضح بمجىء عصر جديد إلا أن الحنين يجذبه إلى أشرعة السفن التى عايشها طوال حياته نراها فى الشراع الأبيض المنتصب خلف القاطرة والسفينة الشراعية السابحة بمحاذاة خط الأفق، وكأنه يعكس هذا على حياته فى لحظة عمرية فيها ما مر من السنوات أكثر من المتبقى، ولسان حاله يقول إن دوام الحال من المحال.

------------------------
الخبر : الثقافة للجميع ... سمير فؤاد يكتب: سفينة الحرب تمارير تسحب إلى مستقرها الأخير .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : الشروق - ثقافة

أخبار ذات صلة

0 تعليق