موسى وفرعون

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اسمان تحولا إلى نموذجين للسلوك البشرى وشخصيتين فى الأدب الشعبى. تجاوزا وجودهما التاريخى إلى وجودهما المعنوى كقيمتين وصراع بين الحق والباطل، بين العدل والظلم. وتحول فرعون إلى مثل شعبى «قال إيه يا فرعون مين فرعنك، قال ما لقتش حد يردنى»، وكأنهما واجهتان لعملة واحدة. العدل فى مقابل الظلم، والحرية فى مقابل الاستبداد. فرعون هو الحاكم الفرد المستبد، الإله أو ابن الإله الذى لا يساوى بين المواطنين، بين المصريين السكان الأصليين للبلاد وبنى إسرائيل المهاجرين من الشام هربا من الاضطهاد، بين المصرى والأجنبى. وبالرغم من أن موسى تربى فى قصر فرعون، إلا أن انتماءه لقومه، لبنى إسرائيل، لم ينقطع. ظل اليهود جماعة مغلقة لا تتفاعل مع المصريين كعادتهم عبر التاريخ حتى انفتحوا على المسلمين فى الأندلس، وإلى حد صغير مع الفرس واليونان والرومان قبل تكوين جماعات مغلقة فى المغرب وتونس ومصر والعراق أثناء الإمبراطورية العثمانية، بل فى أوروبا الشرقية المتاخمة لها قبل أن تنشأ الحركة الصهيونية التى تدعو يهود العالم إلى العودة إلى أرض المعاد، فلسطين. وترك موسى بنى قومه متعبدا الله فى سيناء، وقادهم يوشع. وحارب السكان الأصليين فى فلسطين، كى يستوطن اليهود فيها من جديد.

وأثناء هذا المسار التاريخى تحول موسى إلى فرعون، ودين موسى إلى دين فرعون. فى الظاهر، نجا موسى وقومه من فرعون وجيشه. وفى الباطن نجا فرعون وقومه. ودخل فى قلب موسى. غرق موسى وقومه فى الدين الفرعونى وأصبح بنية يغرق فيها كل دين، اليهودية والمسيحية والإسلام. فهناك يهودية فرعونية هى يهودية المعبد Synagogue. وهناك مسيحية فرعونية هى مسيحية الكنيسة. وهناك إسلام فرعونى هو إسلام السلطة، إسلام الخلافة وإسلام السلطنة وإسلام المؤسسة الدينية الحالية، إسلام الإمام الأكبر، وإسلام الجامع الكبير.

ومع ذلك استطاعت نخبة بوعيها الفردى التخلص من هذا الدين الفرعونى والتمسك بالدين الموسوى قبل أن يتحول إلى كهنوت «وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّى اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ». وهم أهل الكهف الذين نزعوا بوعيهم خارج الزمان حتى يأتى زمان آخر. وهم الحواريون صحابة المسيح الذين آمنوا به كطريق للصلاح والتقوى قبل أن يتحول إلى كنيسة. وهم صحابة الرسول قبل أن يقع الخلاف بينهم إلى حد الاقتتال والاغتيال وسيل الدماء حتى الآن.

فإذا ما دخل فرعون فى قلب موسى تحول الدين إلى استبداد. وإذا عاد موسى إلى نفسه تحول الدين إلى إصلاح أو ثورة أو تقوى باطنية كما يفعل الصوفية. فالدين إذن له تأويلان. الدين الفرعونى وهو دين القهر والاستبداد والكهنوت، والدين الموسوى وهو الدين الذى يثور ضد الظلم والطغيان، دين آريوس، واللاهوتيين الأحرار ومارتن لوثر المعادى للكنيسة. وقد استمر الدين الأول الفرعونى فتحولت الإمبراطورية الرومانية إلى مسيحية صليبية فى العصر الوسيط وإلى استعمار فى العصر الحديث. فواجهه الدين الثورى ولاهوت التحرير فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فى كنيسة الفقراء والمستضعفين. وحارب الرهبان الشبان سطوة الدين الأول المتحالف مع الرأسمالية والاستعمار. وتحول الإسلام النقى الطاهر إلى فرقة واحدة ناجية فى مواجهة اثنين وسبعين فرقة ضالة. وتجلى الدين الفرعونى فى كل العلوم الإسلامية القديمة. ظهر فى علم أصول الدين أى علم الكلام أو علم العقائد عندما تصور الله ذاتا وصفات وأفعالا. يسيطر على كل شىء. فعال لما يريد. لا يقف أمامه قانون طبيعى ولا تحده إرادة إنسانية. وهو التصور الذى ساد حتى الآن فى الأشعرية الشعبية. وتحول إلى قضاء وقدر وأمثال عامية مثل «لا يغنى حذر من قدر». ولما تطور علم الكلام إلى الفلسفة استمر الدين الفرعونى أساس التصور الفلسفى فى العالم. فالله هو الموجود بذاته فى مقابل الموجود بغيره. فلا العالم ولا الإنسان يوجدان بذاتهما وهى أقل العلوم فرعونية. ظهر الدين الفرعونى فى السلطات الفلسفية، مثل سلطة المعلم الأول أو سلطة أبى حامد الغزالى. وتأسست إلى الأبد الثنائية القاتلة: اللانهائى والنهائى، واللامرئى والمرئى، والخالد الفانى. ووضع الإنسان فى الطرف الثانى فأصبح فانيا، هشا، ضعيفا لا يقوى على شىء أما فرعون القادر على كل شىء. وتجلت هذه الثنائية فى التصوف، حيث استمرت هذه الثنائيات فى المقامات والأحوال، والخوف، والرضا، والتوكل، مكونات رئيسية فى الإنسان. ثم تجلت أيضا فى علم أصول الفقه، فى كيفية الاستدلال، الأصل والفرع، الأصل الثابت والفرع المتغير. فلا شىء يحدث فى العالم إلا إذا كان له أصل خارج العالم. فكل ما يحدث فى الأرض له أصل فى السماء وحل مشاكل مصر من ماء وغذاء وطاقة وإسكان كلها عند فرعون. والعلوم النقلية كلها من عند فرعون وما على الإنسان إلا الطاعة. فالنقل سابق على العقل حتى أصبحت الثقافة كلها تقوم على «قال.. يقول». مصدرها المنقول المنشور من التراث القديم أو المنقول المترجم من التراث الغربى.

لذلك تعثرت تجاربنا الديمقراطية بعد عدة محاولات لتأسيسها، لأنها لم تتأسس من الجذور. لها نموذج واحد، الديمقراطية الكمية التى تقوم على الأغلبية والأقلية، ديمقراطية الصندوق بكل ما فيها من أهواء ومصالح وشراء للأصوات. واستمرت الفرعونية فى قلب الثقافة، سواء كانت فرعونية فرعون أو فرعونية الكاهن والمعرفة معطاة، والفعل عجاز. لا دور للعقل ولا لحرية الإرادة. فمتى يخرج فرعون من قلب موسى؟ ومتى يخرج موسى من قلب فرعون؟ ومتى يصبح موسى تدعيما للديمقراطية فى مواجهة فرعون رمز الاستبداد؟

------------------------
الخبر : موسى وفرعون .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق