عاجل

دجاجة «نيسين» وبقلاوته

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الكتابة عن «عزيز نيسين»، الكاتب التركى اليسارى، تثير شجونى دائما، إذ لطالما اعتدت أن أشعر بالشفقة المؤلمة تجاه أمثاله من الخاسرين، أصحاب المبادئ الذين دفعوا ثمن مواقفهم المناصرة للفقراء فى أعماق السجون.

لكن المدهش أن نيسين كان يتمتع بروح ساخرة فى أحلك الظروف. خذ عندك مثلا عندما كان منفيا فى مدينة برصا التركية، يكابد الجوع الدائم والبرد الشنيع عندما تقرب منه شاب يريد التعرف به، ويخبره بأنه يعتبره قائد كل الفصائل الثورية فى أرجاء تركيا، وأن فدائيين مدججين بالقنابل اليدوية يخضعون لأوامره. كان هذا هراء طبعا فعزيز نيسين لم يكن أكثر من كاتب بائس، لا يملك إلا قلمه وسخريته اللاذعة تجاه السلطة، جائع دائما، هو المادة الخام للفقر والبؤس الشديد.

مرارا حاول أن ينكر. لكن الشاب يقول فى ثقة، متظاهرا بالعلم ببواطن الأمور: «مفهوم. مفهوم. أنت تنفى لكى لا يشك أحد بك. ولكن باستطاعتك أن تثق بى».

يا لها من مصيبة حلت برأس عزيز المسكين. وكلما أشرقت الشمس وجد الشاب يدق على باب بيته وعلى النافذة، ويلاحقه فى كل مكان. ونيسين لا يستطيع أن يطرده أو يعامله بخشونة فهو يخشى من هذا الأحمق أن يذهب للشرطة ويجلب له المزيد من المصائب. وفجأة يقول له: «أنت تكسب الكثير من المال بالطبع». ويُذهل نيسين الجائع دائما: «أى مال؟». يقول أبوالعريف: «المال الذى تحصل عليه من الخارج طبعا لكى تقود المنظمة السرية».

يا للهول! يصرخ عزيز نيسين: «ألا ترى ما آكله؟ هل هذا فطور من يملك المال؟». فيهز رأسه فى ثقة: «مفهوم. مفهوم. يجب أن تحرم نفسك لكى لا تثير الشكوك من حولك».

هل لاحظتم الشبه بين ما حدث لعزيز نيسين وبين ثوار يناير الذين اتهموهم بالتهمة ذاتها؟ تهمة التمويل من الخارج! مشكلة التاريخ أنه يتكرر أكثر من اللازم، ومع ذلك تجد الناس يصدقون.

وهكذا تحول هذا الشاب إلى كابوس. والأسوأ أنه كانت لديه شهية الوحوش. وحبات الزيتون التى كان يقسمها عزيز على أربعة أيام كان يلتهما دفعة واحدة. ثم يقول فى حزن: «لماذا لا تثق بى؟».

وفجأة وصلت لعزيز نيسين دجاجة وبقلاوة من أحد المتعاطفين. ما إن همّ بالفتك بها، حتى طرق صاحبنا الباب. بسرعة خبأ الدجاجة والبقلاوة، فقد كان يدرك أن هذا الشاب سيلتهم كل شىء وحده (على حساب المنظمة السرية طبعا) ولن يترك له إلا العظام.

ودخل الشاب، وأحس بشىء غامض يكتمه عزيز نيسين، فراح ينظر له فى ارتياب.

عزيز الرائع خطرت له فكرة هائلة للخلاص من هذا المزعج. قال له فى هدوء: «لم نوكل لك من قبل أى مهمة لأنك كنت تحت الاختبار. والآن تأكدنا أنك شاب شريف. وقد قررنا ضمك إلى المنظمة السرية. والآن سأسند إليك مهمة خطيرة. امسك هذا المغلف (ووضع عزيز ورقة بيضاء فى المغلف وألصقه)، وقال له ضعها فى التجويف الكائن فى الشجرة الفلانية، وإياك أن تلتفت للخلف أو تفتح المغلف، فقد يكلفك هذا حياتك. إنه نظام الأساليب السرية وليس مزحة».

وطار الشاب فرحا، وبمجرد ذهابه انفرد عزيز نيسين بالدجاجة فنسفها، ثم أتبعها بالبقلاوة. راحت دموع الضحك تنهمر من عينيه، وقد أدرك أنه أخيرا قد وجد المخرج. كلما أراد أن يتناول الطعام اختلق للشاب مهمة وأرسله بعيدا.

------------------------
الخبر : دجاجة «نيسين» وبقلاوته .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق