بوتين يسعى لإعادة أمجاد السوفيت

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

وصف الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، انهيار الاتحاد السوفيتى السابق بأنه أكبر كارثة جيوسياسية حدثت فى القرن العشرين، وصار يُنظر للغرب باعتباره مصدر تهديد لموسكو ومساعيها نحو تشكيل قوة مهيمنة على البلدان التى رزحت من قبل تحت الحكم السوفينى، حتى وإن تحققت هذه المساعى باستخدام القوة، وهو ما دفعه لتنفيذ عملية عسكرية فى جورجيا عام 2008، وإلى دخول شبه جزيرة القرم والسيطرة عليها عام 2014، واستمر فى بسط انتشار بلاده عسكرياً داخل أوكرانيا، ووضع قوته النووية فى حالة تأهب لتُشكّل غطاءً للقوة العسكرية المُستخدَمة.

وخلال السنوات الماضية، عملت روسيا على تحديث قوتها العسكرية التقليدية وإعاقة أى تشكيل لأى تحالف غربى ضدها، وذلك من خلال التلويح بسيف المبادأة باستخدام الأسلحة النووية، ولم يجد المسؤولون فى موسكو غضاضة فى الحديث عن توظيف ضربات نووية استباقية فى حرب تقليدية، وكثيراً ما أعلنت موسكو تهديداتها النووية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

السلاح الذى تُلوّح به روسيا تستخدمه بشكل أساسى فى تشكيل غطاء لعملياتها العسكرية التى مكنتها من تدمير مستوطناتها بعد الحرب الباردة، وخرق الحدود الأوروبية، ولكن ورقة الضغط الجديدة لروسيا أخطر من الحرب الباردة نفسها، فلو أن روسيا نفذت ما تهدد به، فسيكون ذلك إعلاناً واضحاً لإخفاق سياسة الردع التى صنعتها الولايات المتحدة، ودول حلف «الناتو»، وستكون النتائج كارثية.

تسعى روسيا إلى امتلاك أسلحة نووية منخفضة العائد، لتكون تهديداتها ملموسة وصادقة، وفى ديسمبر 2005، قال فيكتور ميخائيلوف، مدير معمل «ساروف» الروسى للأسلحة النووية، إن هناك جهوداً تُبذَل لتطوير مشاريع نووية، يمكّنها «جراحياً» من تدمير أهداف عسكرية محلية، موضحاً أن هذه الأسلحة منخفضة العائد يمكن استخدامها فى الحروب التقليدية واسعة النطاق. وهذه الأنواع من الإمكانات النووية قد تكون مُدمِّرة حين يتم تطويرها بهدف دعم توسعات إقليمية وخدمة استراتيجية «ضغط نووى».

ولا تتوقف أوراق الضغط لدى بوتين على التهديد النووى، وإنما شملت توظيف «البروباجندا» الإعلامية لدعم سياساته وتشويه سياسات وصورة الولايات المتحدة، إذ لاحظ خبير الدفاع الروسى، أليكسى أرباتوف، أن السياسات الخارجية والدفاعية لروسيا تعتمد على الإجماع وتنميط الأفكار، بما فى ذلك إشاعة فكرة أن الولايات المتحدة تستخدم جماعات المعارضة التى تناصر الديمقراطية داخل روسيا لقلب نظام بوتين، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها قد يتخذون قرار غزو روسيا فى أى وقت من أجل الاستيلاء على ثرواتها الطبيعية.

وتتضمن الاستراتيجية الكبرى لروسيا تحديث برامج نووية عابرة للحدود، وتنفيذ استعدادات دفاعية تأهباً لحرب نووية، وكلها مساعٍ تدفع باتجاه إضعاف إدارة أوباما، وبرامجها النووية، وهى التحركات الروسية التى لا يزال ثمة انقسام حولها داخل الولايات المتحدة، فالبعض يرى أن روسيا لا تشكل أى مصدر تهديد للولايات المتحدة، وأن أى رد فعل متهور من جانب واشنطن إزاء السياسات التى تنتهجها روسيا إزاء الغرب لن يجدى سوى باستفزاز روسيا وإثارتها ضد الولايات المتحدة، ولكن كبار القادة العسكريين والمدنيين يرون أنه لم يعد ثمة مجال للشك إزاء العداء الذى تُكنّه روسيا للولايات المتحدة، وأنها تُشكّل خطراً كبيراً على مصالح الولايات المتحدة وأمنها، وأن صمت الولايات المتحدة وعدم استجابتها برد فعل قوى من شأنه أن يدفع روسيا نحو المزيد من العدوانية والتصعيد.. إذن ما الذى ينبغى فعله فى هذا الصدد؟.

أولًا: لابد من إدراك حقيقة أن التوقعات المتفائلة عن الخريطة السياسية لروسيا بعد الحرب الباردة لا تعكس الواقع ولا تمت له بصلة، ومن ثم ينبغى تعديل السياسات الأمريكية وفق مستجداتها، لأن المزاعم القديمة التى كانت تنفى احتمالات التصادم والدخول فى صراع مع ورسيا، والافتراض بأن روسيا ستلتزم بمعاهدات حظر انتشار السلاح، أثبتت عدم صحتها تماماً.

وثانياً: لابد للولايات المتحدة أن توظف قدراتها الاستخباراتية من أجل الحصول على رؤية وصورة أوقع لروسيا الحالية، بما فى ذلك خطط تطوير الأسلحة النووية التى تنفذها، وتجدر هنا الإشارة إلى ما قاله الجنرال فيليب بريدلوف، القائد الأعلى لقوات أوروبا، مؤخراً، بأن «بعد ما يقرب من عقدين تعاملت خلالهما الولايات المتحدة مع روسيا على أنها حليف محتمل، صار يتوجب على المجتمع الاستخباراتى أن يعدل رؤيته»، مضيفًا «نرى الآن أننا لم يكن لدينا الحليف الذى كنا نعتقده كذلك»، الواقع أن المجتمع الاستخباراتى الأمريكى جرّد نفسه من أى قدرة لفهم سياسات روسيات النووية وبرامجها، وخططها الحربية، وهذا قصور خطير لدى الولايات المتحدة.

ثالثاً: لابد أن تكون سياسات الولايات المتحدة معلنة ومتسقة، بما يمكنها من ضمان وصول رسالة لبوتين مفادها أن أى تحرك نووى من جانبه ضدنا أو ضد أى دولة حليفة لنا ستكون له تداعيات وخيمة على موسكو.

رابعا: لابد للولايات المتحدة أن تعمل على إعادة خلق حالة من المصداقية والثقة تجاه تهديداتها وتقوم بإعادة تحديد الخطوط الحمراء التى لا ينبغى على روسيا تجاوزها، خاصة فيما يتعلق بورقة الضغط التى تستخدمها موسكو متمثلة فى المبادأة باستخدام الأسلحة النووية، ولهذا ينبغى على الولايات المتحدة تحديث برامجها النووية، ولعل هذا يكون السبب وراء إعلان إدارة أوباما إعادة بناء قوات نووية أمريكية بعد عقود من تخفيض هذا الملف.

وفى النهاية، ينبغى طمأنة الحلفاء إزاء إمكانات الولايات المتحدة، بما ينفى صحة مزاعم بوتين بأن قوات بلاده يمكنها الانتشار فى 5 عواصم لدول حلف الناتو فى غضون 48 ساعة، وهى المزاعم التى قد تبدو ممكنة التحقق فى ظل وجود انقسام داخل الحلف وسياسات بوتين الخارجية وتهديداته النووية.

قد لا نعود مرة أخرى لمشهد عام 1938، ولكن ثمة تشابهات حاضرة تثير المخاطر والقلاقل نفسها التى هيمنت عليه فى ذلك الوقت، وصارت ثمة مواجهة ضارية بين سياسات الولايات المتحدة النووية ومقدرات حلف الناتو من ناحية، وبين واقع جديد تبرز فيه استراتيجية موسكو النووية التى تهدد استقرار العالم.

كيث بى بين

------------------------
الخبر : بوتين يسعى لإعادة أمجاد السوفيت .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق