مشهدان يعبران عن ذات القضية

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

المشهد الأول: طفل ملقى على الأرض ينزف جراء إصابته برصاص جنود الاحتلال في أحد شوارع القدس، وعلى الجهة الأخرى يقف مجموعة من الجنود والمستوطنيين يسبون الطفل بأقذع الألفاظ غير مبالين بإصابته، بل يتمادوا في وصلة السباب والشتائم، كلما علت صرخات الطفل تطلب المساعدة، فيما يتحلق حوله رجال الشرطة الإسرائيلية في تعمد واضح لتركه يلقى مصيره دون تقديم المساعدة، قيل بعدها أنه فارق الحياة .

المشهد الثانى: أحد جنود الاحتلال يتعرض لحادث سير أثناء عبوره الطريق بالقرب من مدينة رام الله، يحيط به مجموعة من الشباب الفلسطينيين ويظهر أحدهم وهو يحاول جاهدا إنعاش قلبه في محاولة يائسة لانتقاذه قبل أن تقله سيارة الاسعاف .

فيديوهان لمشهدين حقيقيين مختلفين في التفاصيل متناقضين في الحس الانسانى، تم تداولهما في الميديا وشبكات التواصل الاجتماعى، الأول في بداية أحداث «هبة القدس» بينما شهوة القتل التي تسيطر على جنود الاحتلال والمستوطنيين ضد الفلسطينيين على أشدها وبتعليمات صريحة من وزير الدفاع ورئيس الحكومة الاسرائيلية , والثانى وقع منذ أيام قليلة ومشاهد القتل والسحل والترويع للفلسطينيين لازالت ساخنة لم تهدأ نيرانها بعد , ورغم ذلك فإن هناك فرقا شاسعا بين المشهدين وما يحملاه من معانى إنسانية متناقضة ؟! ربما يمصمص البعض شفتيه مندهشا أو مستاءا نظرا لغرابة الموقف في المشهد الثانى , فمحاولة إنقاظ الجندى الاسرائيلى الذي لو لم يكن في هذا الحادث لكان في خندق القتال ضد الفلسطينيين , وربما يكون قد قتل البعض منهم بالفعل أثناء وجوده في الخدمة!! بينما المشهد الأول يظهر مدى السادية والوحشية التي يتجرد فيها جنود الاحتلال من كل المعايير الأخلاقية والانسانية , فيتركون طفلا مصابا برصاصهم لم يتجاوز الخامسة عشرة عاما ينزف دماءه حتى الموت دون أن يحركوا ساكنا , في مشهد مؤثر هز ضمير العالم وإدانته للهمجية الاسرائيلية , فقد عبر بوضوح عن تجرد جيش الاحتلال من أي ضمير إنسانى أو معايير أخلاقية أو سلوكية يفترض أن تكون جزء من مكونات الجيوش السلوكية كما هو متعارف عليه دوليا.

لقد أظهرت عمليات المقاومة التي نفذها الفلسطينيون خلال انتفاضة القدس المندلعة منذ مطلع أكتوبر من العام الماضى، حرص المنفذين على تجنب قتل الأطفال والنساء باعتراف الاحتلال نفسه، بينما لم يفرق جيش الاحتلال ولا مستوطنيه بين فئات الفلسطينيين , فالجميع صغارا وكبارا كانوا ضمن دائرة الاستهداف , مما يشير إلى تفوق الانسانية الفلسطينية على إرهاب الاحتلال , ولعل الرسالة التي نقلها منفذ إحدى عمليات انتفاضة الأقصى الأسير المصاب «بلال غانم» هي خير دليل على ذلك والتى جاء فيها :«أنزلنا أنا ورفيقى كبار السن والأطفال الاسرائيليين من الحافلة لإيماننا أن المقاومة الفلسطينية تقوم على أسس دينية وحضارية , لم نحرص على القتل العشوائى لأجل القتل , وإنما جاءت عملياتنا ردا على اقتحامات المسجد الأقصى واستهداف النساء» .

في المقابل فإن أي متابع للانتهاكات الاسرائيلية يستطيع أن يرى جرائم الاحتلال بحق الأطفال والنساء والشيوخ دون تمييز، بدءا بحرق الطفل «محمد أبوخضير» مرورا بجريمة حرق «عائلة الدوابشة»، وليس انتهاءا بتعذيب الأسير الطفل «أحمد المناصرة» أثناء التحقيق معه من قبل المخابرات الاسرائيلية ليتضح اجرام الاحتلال , فالمقاومة الفلسطينية على مر سنوات الصراع أثبتت أنها تلتزم بالمعايير الدولية المتفق عليها في الكثير من عملياتها ضد الاحتلال الاسرائيلى , على عكس اسرائيل التي تعمدت استخدام أساليب الإبادة بحق عائلات فلسطينية قتلت بأكملها دون تفرقة بين كبير وصغير وسجل حروبها على غزة حافل بذلك .

ومؤخرا أصدر المرصد الأورومتوسطى لحقوق الانسان إحصائية شاملة لما خلفته الأحداث الدائرة في الأراضى المحتلة في موجة العنف المتصاعدة من ممارسات تخالف القانون الدولى الانسانى، بما في ذلك القتل التعسفى واقتحام المستشفيات المدنية الفلسطينية والتمييز في التعامل مع الجرحى، ففى تعقيبه عن الانتهاكات التي يمارسها الجيش الاسرائيلى قال «ريتشارد فولك» رئيس مجلس أمناء المرصد ومقرر حالة حقوق الانسان في الأراضى الفلسطينية :«أنه حتى أولئك الذين يميلون سياسيا للجانب الاسرائيلى , من المستحيل أن يتجنبوا استنتاج مفاده أن اسرائيل مذنبة بارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الإنسانى الدولى ومعايير حقوق الانسان» .

ولم يجد الجنرال «أورى ساغيه» القائد الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تعبيرا يصف فيه جنود جيش الاحتلال بتعاملهم السادى مع المدنيين الفلسطينيين إلا «بالحيوانات» مؤكدا أن الجيش مر في «عملية حيونة»، فهو جيش في أسفل درجات الانحطاط الأخلاقى، ومن المعطيات المثيرة والنادرة التي تبين حجم وحشية الجيش الاسرائيلى وتجاوزه لكل المعايير الأخلاقية , ما كشف عنه قسم القوى البشرية في الجيش الاسرائيلى ويظهر أحد أهم الأسباب التي تدفع الضابط والجندى إلى التعامل مع الفلسطينيين بهذه الوحشية وبحسب دراسة للقسم , فإن 20% على الأقل من الجنود لا يرون في الفلسطينى إنسان يجب احترامه! ومن المعروف أن الجنود ذوى التوجهات الدينية المتطرفة يتجندون أساسا في الوحدات القتالية التي تتعامل بشكل يومى مع الفلسطينيين , وما يؤدى إلى شيوع الآراء المتطرفة والعنصرية لدى الجنود هو حجم التحريض الذي يتعرض له هؤلاء الجنود قبل تجنيدهم وخلاله !!

لقد عبر المشهد الأول عن سادية اسرائيل وفاشية جيش هدفه القتل والترويع والصراع على البقاء، فيما يوحى المشهد الثانى أن المقاومة جاءت من أجل الدفاع عن الحق المغتصب وأن الانسانية لا دين لها ولا تفرق بين الضحية والجلاد .

------------------------
الخبر : مشهدان يعبران عن ذات القضية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق