الحب الأول (2)

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الذى لم يَعِش الحب، أو لم تُتح له فرصة الاغتراف منه- ولو بقدر ضئيل- عليه أن يبحث عنه، وأن يلح فى طلبه، وهو لابد واصل إليه.. فقديما قالوا: «إن صح منك الهوى.. أُرشدت للحيل». إن الحب يضفى على الحياة جمالا وبهاء، ويجعل لها قيمة ومعنى.. والحقيقة التى لا مراء فيها أن الحب عطاء وبذل وتضحية وفداء، وهذه تمثل أهم روافده التى تغذيه وتنميه وترقى به.. ومع ذلك، لابد أن يفطن المحبون إلى ضرورة عدم التراخى فى إزالة العوائق التى يمكن أن تعترض طريق الحب، إذ إن هناك الكثير من الحشائش الضارة التى عادة ما تنبت مع الحب، كالأنانية، والشك، والقلق، والحيرة، والخوف..

ظلت الخطابات المتبادلة بين «حسن» و«نهلة» مستمرة، حاملة معها هياما وغراما متصاعدا ومتناميا.. وكان لابد من لقاء، إذ لم تعد الكلمات المكتوبة كافية.. لكن ماذا يفعلان والمجتمع الذى يعيشان فيه محافظ؟ إنهما يخافان أن يراهما أحد وهما يسيران جنبا إلى جنب فى الطريق.. بحثا عن مكان مأمون يلتقيان فيه.. دعاها إلى بيته، حيث اعتادت العيون أن ترى صويحبات أخته يترددن عليه.. كان متوقعا ألا تلقى دعوته قبولا، لكنه فوجئ باستجابتها دون تردد.. وجاءته فى أبهى حلة وزينة.. بدت كما وصف المتنبى: «لبسن الوشى، لا متجملات.. ولكن كى يَصُنَّ به الجمالا».. استقبلها فى حجرة الصالون، وكان جميع مَن فى البيت نائما.. لم يكن هناك كلام، بل نظرات فقط.. لم تكن له سابق خبرة أو معرفة بما يجرى فى مثل هذه اللقاءات.. حاول أن يستعيد بعض ما كتبه فى خطاباته إليها ليقطع به لحظات الصمت، لكن لسانه جرى بكلام غير ما كان يخطط له.. فهما يجلسان لأول مرة سويا، ينظران ويتأملان بعضهما عن قرب.. إنها أجمل وأروع بكثير مما كان يتصور.. ولأول مرة أيضا يسمع صوتها ينساب عذبا كأنه موسيقى حالمة.. تعددت اللقاءات بينهما كثيرا، لكنها كانت أحيانا تتم فى الليل وعلى درجات السلم أمام باب شقتها بعد أن ينام الوالدان، وتقوم أختها التى تكبرها بدور «الناضورجى» الذى يحرس المكان، ويكون مستعدا للتصرف الذكى حيال أى موقف طارئ أثناء فترة اللقاء.. لم تكن اللقاءات تتعدى كلمات الهوى وعبارات الغزل، والأمل فى المستقبل والتخطيط له.. ولأن امتحانات آخر العام كانت على الأبواب، فقد قررا أن تتوقف اللقاءات..

كانت أيام الامتحانات تمضى بطيئة متثاقلة، ومع كل يوم، بل كل ساعة كان يستبد به الشوق إلى لقائها.. وبعد الانتهاء من الامتحانات، حاول أن يلتقيها.. كان يمر أمام منزلها صباحا ومساء، لكن دون جدوى.. تذكر قول الشاعر: «ما بال مية لا تأتى كعادتها.. أعاقها شغل أم عاقها طرب».. لم تعد تطل من نافذتها كما كانت تفعل.. أصابه قلق، وبدأت تساوره شكوك.. تُرى ما الذى حدث؟! هل اكتفت بما كان، وقررت أن تتوقف عند هذا الحد؟ هل أصابها فتور كالذى يصيب الفتيات عادة فى مثل هذه السن؟ هل صدر منه شىء ضايقها، وما هو؟ هل شعر بعلاقتهما أحد، فسعى للوشاية بهما عند أهلها، فتم الضغط عليها لإنهاء علاقتهما؟ أسئلة كثيرة حائرة دارت فى ذهنه ومخيلته لا يجد لها جوابا.. لقد اسودت الدنيا فى وجهه، وبدأ الحب الذى أضاء قلبه وأشرق على روحه يُريه الجانب الآخر.. جانب العذابات والآلام والحيرة والقلق والشك.. أصبح مؤرَّقا، لا يأتيه النوم إلا بعد الفجر، حيث يكون الجهد قد بلغ منه مبلغه.. تماما كما قال شوقى فى رائعته التى شدا بها عبدالوهاب: «مُضناك جفاه مرقدُه.. وبكاه ورحم عوَّدُه، حيران القلب مُعذَّبه.. مقروح الجفن مُسَهَّده»..

فى إحدى الليالى التى كان يمر فيها أمام منزلها، أطلت أختها من النافذة، فرأته وأشارت إليه بالانتظار.. بعدها بقليل عادت وألقت إليه بورقة مطوية.. التقطها وفتحها وقرأها فى لهفة وشوق.. لقد سافرت «نهلة» إلى القاهرة كما هو المعتاد بعد الامتحانات كل عام لتقضى فترة عند عمتها فى حى السيدة زينب.. لم تكن أختها تتصور أنه يمكن أن يسافر إلى القاهرة، لكنه قرر لحظتها السفر دون تردد، حيث كان فى شوق جارف لرؤيتها.. لقد غمره شعور بالراحة، وبدأت نفسه تهدأ، والشك الذى كاد يقتله يتبدد..

------------------------
الخبر : الحب الأول (2) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق