بديع الكسم يائساً (72)

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

والسؤال إذن:

هل ثمة علاقة بين روحانية الهند وروحانية برجسون على نحو ما يرى بديع الكسم؟ وهل ثمة علاقة بين الاثنين وكتابه المعنون «البرهان فى الميتافزيقا»، وكان فى أصله رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه فى الفلسفة من إحدى جامعات سويسرا؟

إن روحانية الهند لا تتسامح مع أى شكل من أشكال العنف، حتى ولو كان متجهاً نحو عدو قومى، بل إن ثمة مذاهب دينية هندية، مثل الجينية، تنبذ قتل الحشرات لأنها كائنات حية. وكان مبدأ غاندى «أهمسا»، أى المقاومة السلبية أو اللاعنف.

وروحانية برجسون تتمثل فى التجربة الصوفية، التى يبدو فيها الكون على أنه الجانب المرئى الملموس من الحب، ويبدو فيها الخلق على أنه مردود إلى الحب. والحب يخلو من الصراع كما يخلو من العنف. وهكذا تلتقى روحانية برجسون مع الروحانية الهندية.

تبقى بعد ذلك «فكرة البرهان فى الميتافزيقا» وعلاقتها بالروحانية. وهنا يكون من اللازم تحديد معنى لفظين وهما: البرهان والميتافزيقا. البرهان هو أساس العلم، وهو مكون من مقدمات ليست فى حاجة إلى برهان لأنها أصول البرهان. أما البرهان نفسه فيستند، فى رأى أرسطو، إلى مبدأ عدم التناقض، أى أن تأتى النتيجة متسقة مع المقدمات. وبديع الكسم منذ بداية كتابه لا يرغب فى تحديد معنى الميتافزيقا على نحو ما يرى أرسطو فى أنها البحث فى الوجود العام غير المحدد، وهو الذى يمكن أن يقال عنه «الله» بلغة العصر، إنما يرغب فى تناول قضايا ميتافزيقية، ويبحث عن مدى خضوعها لمبدأ عدم التناقض. ومعنى ذلك أن برهان أى مذهب فلسفى على أى قضية ميتافزيقية، سواء بالسلب أو بالإيجاب، إنما يستند إلى ما يستند إليه البرهان، وهو الخلو من التناقض. ولهذا ليس ثمة مبرر لتفضيل مذهب على آخر. فكل المذاهب صادقة. ومن ثم ينتفى الصراع بينها، وبالتالى فإن التسامح نتيجة حتمية. والرأى عندى أن انتقاء هذا الصراع يناقض مسار تاريخ الفلسفة. فقد طالب أفلاطون بإحراق مؤلفات ديموقريطس. واتهمت الفلسفة الماركسية الفلسفات الأخرى بأنها زائفة، وبالتالى وجب محاربتها للقضاء عليها. ونشأت الوضعية المنطقية للتدليل على زيف الماركسية باعتبار أنها أيديولوجيا لا تقبل التحليل العلمى. ومع ذلك فإن بديع الكسم يتجاهل هذا الصراع لأنه لا يرى فيه أى مبرر، ويقول إن كل فلسفة لها «منهج خاص» لا يتعارض مع أى منهج آخر، لأنه لا علاقة بينهما. وقد كان هو كذلك فى ندوته الأسبوعية التى كان يعقدها كل يوم جمعة فى منزله ويذهب إليها الشباب والمثقفون والسياسيون. كان يستمع أكثر مما يتكلم. وهكذا يكون سلوك بديع الكسم متسقاً مع مذهبه الفلسفى.

والسؤال إذن:

لماذا اختار بديع الكسم التسامح؟

هل كان يشعر بأن الذهنية العربية متعصبة فأراد أن يربيها على التسامح؟

هل ارتأى الذهنية العربية متعالية فأراد أن يدعوها إلى التواضع عن طريق التسامح؟

أظن أن الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة يكون بالإيجاب. ولا أدل على ذلك من أنه كتب مقالاً قبل وفاته فى 5 أكتوبر 2005 عنوانه «الحرية» فامتنعت الصحف السورية عن نشره فنشره فى إحدى صحف لبنان.

والسؤال إذن:

لماذا صمم بديع الكسم على نشر المقال؟

هل ليعلن موت الحرية فى الوطن العربى؟

أظن أنه مات يائساً فهو لم يستطع أن يكون مؤسساً لحزب البعث، بل لم يستطع أن يكون له تأثير فى المكونات الأيديولوجية لذلك الحزب.

والسؤال إذن: هل مات يائساً لأنه استعان بفلسفة برجسون؟

------------------------
الخبر : بديع الكسم يائساً (72) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق