على هامش درجات الحرارة

0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أعتقد أن التغيرات المناخية التى لحقت بالجغرافيا المصرية، خلال السنوات الأخيرة، وعلى مدى عدة عقود أخرى مقبلة، تُحتم علينا إعادة النظر فى أجور ومزايا بعض الأعمال الدنيا والشاقة التى لا يمكن إنجازها إلا فى العراء، والتعامل مع هذا المناخ القاسى طوال الوقت، وفى مقدمتها مهنة الزراعة، وعمال النظافة، وعمال الرصف، إضافة إلى السائقين، والباعة الجائلين، وغير ذلك من المهن التى يصارع أصحابها الإصابات والأمراض وضربات الشمس صيفاً، والنزلات الشعبية شتاءً.

ليس من الإنصاف أبداً أن يظل الفلاح يعانى ويكافح طوال العام، مع كل محصول، من بدايته حتى نهايته، زرعاً ورياً وحرثاً وحصاداً، وما بين ذلك من كثير من الأعمال المضنية، ثم فى نهاية الأمر، لا يجد تقديراً من أى نوع، فيظل يعانى فى تسويق المحصول، أو فى الحصول على أسعار مناسبة، فى الوقت الذى لم يجد فيه على مدار العام، دعماً مادياً أو عينياً، يتناسب مع هذا القدر من المجهود الذى بذله هو وجميع أفراد أسرته، حتى يوفر لنا فى النهاية هذه السلعة أو تلك.

ليس من الإنصاف أبداً أن يكون راتب عامل النظافة هو الأدنى على الإطلاق بين كل رواتب العمالة فى مصر، على الرغم من أن حالة إضراب واحدة عن العمل يقوم بها هؤلاء لعدة أيام، سوف تتوقف معها الحياة تماماً، بعد أن نكون جزءاً من تلك القمامة والروائح الكريهة والمظهر العام السيئ اجتماعياً وسياحياً واقتصادياً، وأثر كل ذلك على مكونات الدولة ككل.

ليس من الإنصاف أن يظل الدخل الشهرى أو السنوى لهؤلاء وأولئك لا يمثل أكثر من ١٪‏، مقارنة ببعض القابعين بمكاتبهم المكيفة طوال الوقت، فى الوقت الذى لا يحصل فيه هؤلاء الكادحون أيضاً على مزايا تعليم أبنائهم فى هذا النوع من التعليم أو ذاك، بل الأكثر من ذلك أنهم لا يستطيعون إلحاق أبنائهم أيضاً إلا بالوظائف الدنيا فى وجود تقارير تحط من قدرهم، لمجرد أنهم فقراء، بما يؤكد انعدام العدالة الاجتماعية، ومبدأ تكافؤ الفرص.

الشمس الحارقة صيفاً والبرد القارس شتاء وحجم الجهد فى العمل، يجب أن تكون هى مقومات الحكم على المواطن الصالح من غيره، فقد ظلت الدولة بلا برلمان على مدى ثلاثة أعوام، ولم يهتز أى ركن من أركان المجتمع، بأى شكل من الأشكال، إلا أن ثلاثة أيام فقط دون عمال نظافة، أو ثلاثة أسابيع دون عمال زراعة، سوف تهتز معها كل الأركان التى يمكن أن تهوى بالدولة المصرية ككل إلى أسفل السافلين، ولو أن شخص رئيس الوزراء تغيب عن مكتبه عدة شهور، لما كانت هناك أزمة مثل تلك التى قد تنتج عن غياب عُمّال الصرف الصحى مثلاً، عن اللحاق بمعضلة ما لعدة ساعات.

هذه هى الحقيقة التى قد تغيب عن الكثيرين، لذا أعتقد أن هذه التغيرات المناخية فرصة لإحقاق الحق، لسنا أبداً فى حاجة إلى مظاهرات من أى نوع، ولا احتجاجات، ولا إضرابات، حتى يمكن أن نعى حجم أى مشكلة، إلا أننا يجب أن نعترف بأننا أمام أزمة حقيقية، تتعلق بالعدالة الاجتماعية، سوف تُسهم بالتأكيد فى علاج أزمات أخرى على الهامش، منها ما هو خاص بالتسول وما هو خاص بالرشاوى، أو ما تسمى بالإكراميات، وما هو خاص بالسرقة، وما هو خاص بالجريمة، باختصار: كل ما يتعلق بالسلام الاجتماعى.

نحن فى هذه الحالة أيها السادة، نُعيد هيكلة المجتمع ككل إلى طريق الصواب، نحن نتحدث عن أغلبية مطحونة فى المجتمع، لحساب أقلية علا شأنها دون أى مبرر منطقى. هذه الأغلبية تسمع بصفة يومية عن أرقام خيالية يتقاضاها أحد الردّاحين فى ذلك التليفزيون أو إحدى ممتشقات القوام عن أحد الأفلام، أو أحد المتسلقين عن تلك الوظيفة، أو كثير من الفاسدين عن تلك الممارسات، ولو أن الإيمان بالخير والشر، والفقر والغنى، والمنح والمنع، ليس من التكوين الإيمانى المتأصل فى هؤلاء البؤساء، لكنا أمام كارثة.

الغريب أن يأتى فى النهاية من يعبث فى ذلك الجانب الإيمانى، سواء على المنابر أو بالمناهج الدراسية، إما عن جهل، فيصيب المجتمع فى أعز ما يملك، وإما عن علم وسوء قصد، بغرض تدميره، ونجد فى الحالتين من يُصفق ويهلل، عن غباء منقطع النظير، بدعاوى التحضر والتمدن وحرية الرأى، إلى أن استشرت هذه الظاهرة أيضاً، فأصبحت هى الأخرى إحدى الآفات.

نستكمل غداً...

------------------------
الخبر : على هامش درجات الحرارة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق