عاجل

على هامش درجات الحرارة (٢)

0 تعليق 26 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الأرقام الرسمية تتحدث عن مليونى مُشَرَّد في الشوارع، هو رقم لا يصدقه عقل، إلا أننا سوف نفترض أنهم أقل من ذلك، نحن هنا لا نتحدث عن سكان العشوائيات الذين يزيد تعدادهم على خمسة عشر مليوناً، وهم ليسوا أفضل حالاً بكثير، نحن فقط نتحدث عن مليونى نفس بشرية، ما بين سيدات وأطفال وغيرهم، يقضون حياتهم، نوماً ويقظةً، في الشوارع، والحوارى، والأزقة، وتحت الكبارى، وفى الأنفاق، في هذه الظروف المناخية، التي أقل ما يمكن أن توصف به أنها قاسية إلى الحد المميت.

بالفعل هناك بينهم من يلقى ربه بصفة يومية، في نفس مكان إقامته، تحت المطر، أو نتيجة ذلك الصقيع، الذي لم نعد نتحمله نحن القابعين تحت سقف، وبين جدران أربعة، نرى من بينهم من يلتحف أوراق الصحف، أو الكراتين الورقية، أو حتى البلاستيكية، نراهم وقد أصيبوا بأمراض الربو والصدر وغيرها من الأمراض المزمنة، التي قد تكون معدية أيضاً، نراهم وعلامات البؤس والأسى تخيِّم على وجوههم، نراهم وهم يهرولون وراء السيارات، أملاً في بيع علبة مناديل، أو بضع أرغفة من الخبز، نراهم وهم يتسولون.

بالتأكيد لم نر أحداً منهم وهو يرتكب جرماً ما، إلا أنهم بالتأكيد يفعلون، لم نر أحداً منهم وهو يرتكب فاحشة ما، إلا أنهم أيضاً يفعلون، بعضهم قد يكون ضحية للاغتصاب والتحرش، والبعض الآخر مجبراً على المشاركة في الجريمة، والبعض الثالث قد يتم استخدامه في أعمال إرهابية، بالفعل تم استخدام الآلاف منهم في الأحداث التي واكبت ٢٥ يناير ٢٠١١، الجميع- بلا استثناء- استخدمهم في إشعال الحرائق، وفى التخريب والتدمير، وفى ترويع الناس.

على الرغم من ذلك لم نفطن، على المستوى الرسمى، إلى خطورة هذه المشكلة المزمنة، أهمية البحث عن حل لها، حل فصل الشتاء الذي لم يأت بغتة، وجاء الصقيع الأسوأ، الذي لم يأت أيضاً بغتة، فقد كانت هناك التحذيرات المبكرة من أنه الصقيع الأشد منذ أكثر من مائة عام، لم يفكر أحد في مصير هؤلاء، هم في النهاية مواطنون، أي أنها مسؤولية الدولة، شاءت أم أبت، اتضح أنه لا توجد وزارة محددة يمكن أن تهتم لأمرهم، حتى وزارة الشؤون الاجتماعية، هم ليسوا جزءاً من خطتها، وإلا لكان لهم ملجأ ثابت، أو مكان للمبيت، على الأقل.

المشردون في الشوارع أيها السادة لن يظلوا، بأى حال، رقماً مهملاً، هم قنبلة موقوتة يتم استخدامها كثيراً، وبصفة خاصة في أوقات الأزمات، أما وقد أصبحت الأزمات هي الأصل في ظل الأوضاع الراهنة، فكان من المهم إيلاء هذه الكارثة الاهتمام الأكبر، لا الحكومة تداركت الموقف، ولا الجمعيات الأهلية لديها الإمكانيات التي تؤهلها للقيام بهذا الدور، في ظل انشغالها بالسياسة، وتذرعها بوقف التمويل الأجنبى، الذي اعتمدت عليه سنوات طويلة، ولا حتى المنظمات الدولية أصبحت تنظر إلينا بعين العطف، نتيجة عوامل كثيرة.

البعض كان يقترح فتح أبواب المساجد أمام هؤلاء على الأقل ليلاً، للمبيت فيها، إلا أن ذلك الاقتراح اصطدم بقرار وزارة الأوقاف إغلاق المساجد في غير أوقات الصلاة، لأسباب سياسية وأمنية، دون النظر إلى هذا الظرف الإنسانى، الذي كان يجب التعامل معه كحالة طوارئ، أو حالة حرب، لها ما لها من الاستثناءات، وإذا كانت الأوقاف لم تفعل ذلك، فبالتأكيد لن يستطيع أحد أن يطلب من الأندية عملاً مشابهاً، المساجد على الأقل للأغنياء والفقراء، أما الأندية فهى للأغنياء فقط.

أعتقد أن ما تم إنفاقه على التفريعة الفاشلة إياها كان يمكن أن يحل هذه المشكلة، وما تم جمعه لأحد الصناديق الوهمية كان يمكن أن يحل هذه المشكلة، وأن جزءاً يسيراً من الإعانات الخليجية التي تلقتها الدولة خلال الأعوام الخمسة الماضية، كان يمكن أيضاً أن يحل هذه المشكلة، إلا أننا نبحث دائماً وأبداً عن الشو الإعلامى، في الوقت الذي لم تتوافر فيه إرادة الحل للأسف.

الدليل على ذلك، هو أنه لم يتم إدراجهم في خطة أو موازنة الدولة السنوية، لسبب بسيط، هو أن هؤلاء رغم كثرة عددهم لا يجيدون فن المظاهرات، أو الاحتجاجات، أو الاعتصامات، إلا أن ما أستطيع التأكيد عليه هو أنهم أخطر من ذلك بكثير، الآن ومستقبلاً، والحل الآن قد يكون أبسط وأقل تكلفة بكثير عنه في المستقبل.

------------------------
الخبر : على هامش درجات الحرارة (٢) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق