ثلاث ساعات فقط فى العباسية

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كانت تسير وسط المارة فى أحد الشوارع التجارية فى وسط البلد، لا تكاد تلفت النظر، لا مكياج لافت ولا ملابس مكشوفة ولا ضحكة مبتذلة تصاحبها، وكان هناك من يترصدها، ورأى فيها ما يثيره ويهيج أعصابه فأكلت قدماه المسافة التى بينهما، وعندما تقابلا وبينما هى مشغولة بما معها من نقود وهل ستكفيها، كانت كفه هى الأسرع بلطمها على خدها لطمة جعلتها تتهاوى، وأمسك به بعض المارة وعكف البعض الآخر على إفاقتها، ثم اكتشفوا أنه مختل عقليا تخلى عنه مستشفى الأمراض العقلية مؤخرا، صرفوه وهونوا عليها، دون أن يدروا أن السيدة ما عادت نفس السيدة، أصابتها «فوبيا» من الشوارع المزدحمة والرجال الذين يقتربون منها وباتت تلتفت فى كل اتجاه خوفًا من متربص خفى ينوى قتلها. وظاهرة صرف مرضى المستشفيات العقلية والنفسية دون إتمام العلاج تبدو لافتة الآن، والذين يصرفون منها هم الفقراء وبعض الأغنياء الذين تخلى الأهل عن زيارتهم ومتابعتهم وكبار السن والمشاغبون أو ذوو الميول الخطرة، وكانت هذه الظاهرة قد انتشرت فى أوائل التسعينيات، وأخرج مستشفى العباسية مجموعات كبيرة من مرضاه وانتشروا فى المدينة،

ثم انطلقت شائعات لا تخلو من بعض الحقائق بأن هذا المستشفى الضخم الذى لا مثيل له فى الشرق الأوسط بمبانيه وحدائقه (أنشئ المستشفى فى صحراء العباسية عام 1883 على مساحة 86 فدانًا) سيباع إلى رجال الأعمال بعد هدمه وتقسيمه، وبناء على ما أشيع ثار بعض أصحاب الأقلام النظيفة والمجتمعات المدنية فخبت نار هذه الشائعة، وفى انتشارها الآن ما يثير الريبة، وأخشى أن يكون قد تعافى المشروع القديم من إصابته وسيعاود ضربته من جديد. وللحقيقة أن هذه المستشفيات التى تعالج أو تهتم بمرضى الأمراض العقلية والنفسية، خاصة الحكومية منها، تقدم خدمات كبرى للمجتمع، رغم الرواتب المخزية لموظفى التمريض والأطباء، ومن العيوب الواضحة لكل عين قلة الرقابة الحكومية عليها مما يعرض المرضى لبعض التصرفات القاسية من بعض القائمين عليها، خاصة أن مجموعة غير قليلة من الأسر التى لديها مرضى هناك لا تهتم بالمتابعة وتعتبر أن تسليمه لهذه المستشفيات بمثابة إبراء ذمة! وإليكم هذه الواقعة التى تصلح خاتمة للمقال. فى أوائل التسعينيات استقدمت مصر مدربا من كوريا الجنوبية لتدريب المنتخب المصرى فى «التايكوندو» لأنها واحدة من الألعاب التقليدية الكورية ومعروفة هناك منذ أكثر من 2000 سنة وأصبحت رياضة عالمية أوليمبية فى دورة سيدنى عام 2000، وقد اهتمت بها مصر قبل عالميتها وتحقق فيه نتائج ذهبية حتى هذه اللحظة، وهذا المدرب كان اسمه فيما أعتقد «شونج» وهو مدرب مهم وأسكنه اتحاد التايكوندو أول وصوله بفندق «مارديان» مدينة نصر على أن يأتى موظف من الاتحاد ليصحبه إلى المقر بأكاديمية الشرطة بالعباسية، وكالعادة تأخر الموظف عن «شونج» الذى لا يعرف لغات غير الكورية وكلمة عربية واحدة هى «العباسية» مقر الاتحاد، استقل شونج «تاكسى» وهو عصبى وزاده عصبية تأخر الموظف فظل يشخط فى السائق «عباسية.. عباسية» واقتاده السائق إلى مستشفى العباسية مباشرة! وتعصب شونج جدًا أمام البوابة فأدخلوه باعتباره «رزق وجالنا برجليه» وظنوا أنه يشتغلهم بالكورى الذى ينطقه وقضى هناك ثلاث ساعات حتى وجده الاتحاد وأخرجوه، شونج يحب مصر ومازال موجودًا بها حتى بعد تقاعده، وعندما يدرب أو ينرفزه شخص يتعصب ويحمر وجهه وهو يقول بغضب: إنت عباسية! تفتكروا ليه؟

------------------------
الخبر : ثلاث ساعات فقط فى العباسية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق