عاجل

ماكس ريبمان يكتب : 5 أعوام من الثورة.. كيف تعاملت الحكومة مع رجال الأعمال؟

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بعد مرور 5 أعوام على ثورة يناير، لايزال قطاع عريض من المحللين منخرطاً فى الحديث عن ضعفٍ يرونه حاضراً فى النظم السياسية للدولة المصرية، وعن المخاوف الأمنية، متجاهلين العائق الأكبر الذى يحول دون عودة الاستقرار الكامل لها، ألا وهو «الفساد».

ورغم أن البعض يفسر أسبابه على ضوء «الليبرالية الجديدة» متمثلة فى مجتمع رجال الأعمال الذى حقق الاستفادة القصوى من النظام القديم، فإن الأسباب الحقيقية له تكمن فى مزيج معقد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يتطلب تسوية وطنية أو مصالحة، وهو ما يعنى تسوية الخلافات مع رجال الأعمال الذين أثير حولهم الجدل، وتقليل القيود القانونية التى تقوض البرامج الاستثمارية الجديدة.

الواقع أن تحدى الفساد فى مصر كثيراً ما كان موضع نقاش فى أوساط المحللين والمعلقين، ولكنهم رغم إشاراتهم المتوالية له، منذ ثورة 2011، أظهروا عجزًا جلياً عن فهم طبيعته، فالفساد فى مصر حاله حال دول العالم، يتألف من شقين، الأول «الفساد منخفض المستوى»، ويشير إلى القوى البيروقراطية التى يمكنها ممارسة التعسف واتخاذ إجراءات اعتباطية، وتتمثل بشكل أساسى فى ضباط الشرطة، وتشمل أيضاً موظفى الدولة، ومسؤولى الصحة والتعليم الذين يتولون مهمة الإشراف على تقديم خدمات حكومية «فقيرة»، وهذه القوى كانت الدافع الأساسى والأكثر وضوحاً وراء اندلاع ثورة 25 يناير.

أما الشق الثانى من الفساد، فيتمثل فى تجاوزات السلطة وسوء توزيع الثروات واستحواذ طبقة رجال الأعمال المقربة منها على امتيازات غير تنافسية، وهذا الشق لم يكن ملموسا أمام غالبية المصريين كما هو الحال فى الشق الأول، ولكنه كان أحد أهم أسباب حالة الفتور التى انتابت جموع الشعب إزاء أسرة الرئيس الأسبق حسنى مبارك والدوائر القريبة منها مطلع 2011.

وفى يونيو 2012، تم انتخاب «مهندس لا يتحلى باللباقة»، وينتمى لجماعة الإخوان المسلمين رئيسا لمصر، وبرغم ترديد الرئيس السابق محمد مرسى الكثير من الانتقادات للفساد السياسى فى مصر، فإنه بمجرد وصوله للحكم لم يبد أى رغبة فى علاج قضاياه العالقة، خاصة تلك الخاصة بالشق الأول من الفساد، وأخفق فى تحقيق إصلاحات قانونية من شأنها إخضاع مؤسسات القطاع العام لمزيد من المحاسبة، وكان «مرسى» أكثر اهتمامًا بشؤون السياسة وتمكين الإخوان وتعزيز قاعدة نفوذهم، ومن ثم فشل فى الصمود أمام التحديات التى ظلت تثقل كاهل الدولة، وحتى بعد الإطاحة به فى 2013، فإن الحكومة التى تولت إدارة البلاد بدفعة من المؤسسة العسكرية أظهرت قصوراً فى توفير برامج إصلاحية فعالة، وأشرف الرئيس الحالى عبدالفتاح السيسى حينها على إطلاق أحكام دستورية جديدة، وتعيين حكومة من التكنوقراط، وفتح تحقيقات رفيعة المستوى حول الفساد، لكنّ أياً من تلك المبادرات لم يفض إلى النتائج المنشودة، ورغم أن الدستور المصرى الجديد ألزم الحكومة بمحاربة الفساد، فكانت حالة التنافس القائمة بين الإدارات المختلفة إضافة إلى تداخل اختصاصاتها كلها عوامل حالت دون تنفيذ استراتيجية قومية سليمة للقضاء على الفساد.

وبزغ نجم التكنوقراطيين فى عهد السيسى، لكن اتهامات الفساد انسحبت عليهم مثلما حدث مع من سبقوهم، حتى رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب الذى كان يحظى بمكانة مرموقة كمهندس مميز قبل توليه رئاسة الحكومة، لم يجد مناصاً من مزاعم صلات تربطه بمبارك، إذ كان يتولى فى السابق إدارة إحدى كبرى شركات الإنشاء، والتى أشارت تقارير إلى تنفيذها بعض التجديدات بمقرات إقامة أسرة الرئيس الأسبق من المال العام، وهذه الاتهامات أضرت بمصداقية محلب وبسمعة حكومته كـ«حكومة تكنواقراط».

وأخيراً ظهرت ملاحقات رجال الأعمال والتى نتجت فى الجزء الأكبر منها عن قرارات اعتباطية مدفوعة بسياسات تزامنت مع أوقات عصيبة من فترة حكم السيسى، وتمثلت فى موجة أمطار أغرقت مدينة الإسكندرية، ولعل أبشع تلك الملاحقات كان ما حدث مع المهندس صلاح دياب الذى ألقى القبض عليه «بطريقة غريبة»، نوفمبر الماضى، والذى يمتلك واحدة من أكبر التكتلات الصناعية فى البلاد، ألا وهى مجموعة «بيكو»، كما زعم معلقون أن القبض على «دياب» هو عقاب من جانب الحكومة ضده، وخلفت الواقعة صدمة داخل مجتمع رجال الأعمال فى مصر، وتراجعت الحكومة على الفور عن القرار، وأفرجت عن «دياب» فى هدوء ورفعت قرار التحفظ على أمواله.

ومرت 5 أعوام على ثورة يناير، دون حل يسير لمشكلة الفساد، وخاصة «الفساد منخفض المستوى» الذى يحول دون تحسن الاقتصاد الكلى للدولة، والواقع أن الفساد يجد صعوبة فى التسلل إلى أجهزة الدول التى تتمتع بنظم اقتصادية عالية الأداء، وبمؤسسات قطاع خاص قوية وحكومات ذات صلاحيات وتدخل محدود، ولأن مصر لا يمكنها تحقيق تغييرات جذرية فى آفاق اقتصادها الكلى على المدى القريب، فإن ثمة 3 خطوات أساسية يتعين عليها اتخاذها للحد من استشراء الفساد وإعادة تنشيط سوق الاستثمارات الأجنبية:

أولاً، يتعين على «السيسى» أن يضع حدًا لسلسلة الملاحقات المدفوعة بأسباب سياسية ضد رجال الأعمال والأثرياء الناجحين، إذ إن هذا النمط من الملاحقات التعسفية، كحالة دياب، يثير مخاوف المستثمرين الأجانب ويقلل فرص جذب الشركاء لكبرى الشركات النفطية والمصارف والمؤسسات التجارية وغيرها من أرباب الاستثمار.

ثانياً، يتعين على الحكومة المصرية تعزيز فاعلية قانون الاستثمار الجديد الذى تم تمريره العام الماضى، وينبغى على البرلمان الجديد أن يلعب دورا فى تعديل القانون ليشمل إجراءات أكثر وضوحاً خاصة فيما يتعلق بالمناقصات التى تطرحها الحكومة لمشروعات البنى التحتية الكبيرة، وبيع الأراضى.

ثالثاً، وهى الخطوة الأكثر أهمية، يتعين على الحكومة أن تقود حملة للتصالح الوطنى وإسدال الستار على فصل من النزاعات الصارخة مع رجال الأعمال الذين فقدوا مصداقيتهم، ومنهم من رحل عن البلاد لنسبته لنظام مبارك، على أن يتضمن برنامج التسوية إعادة أصولهم التى تحفظ عليها جهاز الكسب غير المشروع، وتوقع عليهم غرامات مالية يحددها القضاء.

بالطبع سيحتج المعارضون الليبراليون على تلك التسوية، باعتبارها تمنح الجناة حصانة وتشجع غيرهم على ارتكاب ما اقترفوه من فساد، ولكن رؤية هؤلاء الليبراليين تجاهلت تمامًا الضرر الذى لحق بسمعة تلك المجموعة من رجال الأعمال، وعلى الأرجح سيكون لدى عدد محدود جدًا من المستثمرين الأجانب الرغبة فى مشاركتهم بمشروعات جديدة، كما تجاهل الليبراليون حقيقة أن المليارات التى سيتم جمعها من الغرامات الموقعة عليهم يمكن توجيهها لتنفيذ مبادارت خدمية فى قطاعى الصحة والتعليم، وتنفيذ برامج تدريبية، فضلاً عن تعزيز مقدرات قطاع الطاقة المتجددة فى مصر.

الواقع أن هذه الخطوات الثلاث هى التى ستعين الحكومة على تحقيق الإصلاح المنشود فى مؤسسات القطاع العام، كما ستخلق حالة من الشفافية تشجع المستثمرين الأجانب على دخول السوق المصرية، وستقلل من اعتماد مصر على الدعم المالى الخليجى، خاصة أن الأوضاع الاقتصادية لدى دول الخليج صارت متأزمة بعد انخفاض أسعار النفط، وتزايد الصراعات الإقليمية.

نقلاً عن مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية

ترجمة- أمانى عبدالغنى

------------------------
الخبر : ماكس ريبمان يكتب : 5 أعوام من الثورة.. كيف تعاملت الحكومة مع رجال الأعمال؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق