البحيري وناعوت ومالك وشادي.. وأنا وأنت !

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

دخل عام 2016 علينا بهجمة مرتدة شرسة على حرية الرأي والتعبير، فهناك حكمان طازجان صادران بتهمة «ازدراء الأديان»؛ أولهما، كان ضد الباحث إسلام البحيري، والأخر، قبل أيام ضد الكاتبة فاطمة ناعوت.
ثم هناك سيل من البلاغات ضد الممثل الشاب محمد مالك، ومراسل برنامج أبلة فاهيتا «شادي حسين»، بتهمة «الإساءة للشرطة» بعد فيديو «الكوندوم الشهير»، وحتى الآن ليس هناك معلومات واضحة عما آل أليه وضعهما.
وهناك أيضا عملية ضبط تمت على سبيل «الرخامة» لرسام الكاريكاتير إسلام جاويش، بحجة العمل دون رخصة؛ بعدها أطلق سراحه، نتيجة ضغط كبير من سوشيال ميديا، دون توجيه أي اتهام.
وقبلهم، عشرات القضايا والدعاوى التي نسمع عنها بشكل شبه يومي، من قبل محامين وأشخاص يسعون للشهرة، عبر لعب دور «المحامي العام» للأخلاق، والنظام، والتراث، وللأسف لا يوجد أي تحرك تشريعي أو سياسي لوقف هذا الإرهاب الفكري، الذي يمارس ضد كل من يحاول أن يفكر، أو يبدع، أو يختلف، ألم يقل الرئيس السيسي:«سنة الله في خلقه التنوع والاختلاف»؟!.

******
ويقول أيضا الفيلسوف الفرنسي، فولتير:«قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن ادفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك». المدهش، أن بعد مليون ونصف عام من تعمير الانسان للأرض، هناك من لديه الاستعداد لأن ينهى حياتك، ويبذل حياته أيضا، كي لا تكون مختلفا معه، أو مع ما يعتقد أنه الحق.
******
فلو سألتني رأيي الشخصي، فأنا لا أتفق مع أسلوب إسلام البحيري؛ وإن كنت اتفق مع بعض ما يقوله، وأتفق أكثر على صدق نيته؛ وأيضا تجدني ضد تهكم فاطمة ناعوت على سنن الذبح في عيد الأضحى؛ لكن أنا معها في وجوب تنقية القوانين والشرائع والعادات التي تحول أن تكون مصر «وطنا» أساس عيشه، ومن يعيش فيه، مفهوم «المواطنة»، وفقط.
وستراني كذلك ضد الحركة «الهبلة» التي قاما بها أحمد مالك، وشادي حسين، صحيح، قد اتفهم دافعهما، والخلفية التي أوصلتهما لهذه الحماقة، لكن لا أبرر فعلتهما أبدا. لأني أعتقد أن الدفاع عن حق أي إنسان في التعبير، لا يعنى بالضرورة أن هناك تأييدا أو حتى اتفاق مع ما يقوله أو يفعله.
أرءيتم؟ نحن بشر، أنا، وأنت، وهم، صعب أن نختلف 100%، والأصعب أن نتفق 100%، حتى ولو مع أنفسنا، لا تندهش، أرجع لأفكارك قبل خمس سنوات، أو انتظر، وقارنها بعد خمس سنوات.. نحن بشر، نتغير، ونتأثر، ونؤثر، ونختلف؛ هذه طبيعتنا، لا عيب فيها ولا ميزة.

******
إلحاق الضرر

فين المشكلة؟
تقبع نقطة الخلاف الجوهرية في مسألة «حرية التعبير»، وأخواتها (حرية العبادة وحرية الصحافة، وحرية التظاهر السلمي)، في الضوابط والحدود التي تحكمهم، انطلاقًا من سياج رئيسي، وهو «إلحاق الضرر»، كما يقول المفكر جون ستيوارت ميل، وهو من أوائل من نادوا بحرية التعبير، في القرن الـ18.
والحقيقة، أن القضية ليست في «إلحاق الضرر» نفسه، ولكن في مفهوم ذلك وتفسيره؛ فما يعتقد أنه يمثل ضررا في مصر، يختلف عما يعتقد أنه يمثل ضررا في أمريكا.
مثال: بعد نشر الفيديو الساخر لمالك وشادي، استنسخ الفكرة شباب مصري يعيش في أمريكا، وقاموا بإعطاء بالونات «واقي ذكري» لشرطة نيويورك، وهم يعرفون ذلك، فكان رد فعلهم أنهم «ضحكوا»، ومر الموقف بسلام، ولم يكن هناك أي شعور بالإهانة أو الضرر.
******
ضرر ديني وسياسي !

لو تتبعنا أغلب قضايا وأزمات حريات التعبير في العالم، سنجد أنها تذهب في اتجاهين: ما يمكن أن نطلق عليه «ضررا سياسيا»، وهو عرض ملازم للأنظمة السلطوية، التي تستخدمه أحيانا كنوع من الترهيب، وأحيانا كنوع من «المكرمة»، وتكثر في تلك الدول قضايا ودعاوى من عينة «إهانة رموز/مؤسسات الدولة»، وقلما نجد هذه الاتهامات في الدول التي تتمتع بنظام ديمقراطي سليم ومستقر.
ولكن ما تشترك فيه الأنظمة السلطوية والديمقراطية، بنسبة متفاوتة طبعا، (خاصة في مدى التدخل السياسي والتوجيه)، هي مسألة «الإساءة للرموز الدينية»، التي تظهر للسطح كل فترة.
قد لا يعرف البعض أن الكثير من القوانين الغربية تتضمن بنودا تجرم الإساءة للرموز الدينية، مثل النمسا، وفنلندا، وألمانيا، وإيطاليا واسبانيا، حتى في أمريكا.
وفي الدنمارك مثلا، هناك عقوبة للإساءة للأسرة المالكة؛ وبولندا تعتبر الإساءة إلى الكنيسة الكاثوليكية ورئيس الدولة جريمة يعاقب عليها القانون، وفي عام 2003 تم تغريم الفنان دوروتا نيزنالسكا، لرسمه صورة العضو الذكري على الصليب؛ وفي 2005 تم إيقاف حملة إعلانية في فرنسا لبيت أزياء، وظف لوحة العشاء الأخير في حملته، بدعوى «الإساءة إلى الكاثوليك».
وهناك عشرات من القضايا الأخرى، ولكن للأمانة -وكرأي شخصي- لا تكاد تشم في أغلبها، حرية التعبير والنقد بالمفهوم السوي، بل تغلب عليه مساحة الاستهزاء والتحقير لعقيدة الآخر، والكثير منها تستخدم عبارات وإشارات جنسية.
ورغم قلة هذه الحالات في أوربا، إلا أن هناك دعوات ظهرت مؤخرا لتعديل هذه القوانين، أو إضافة تفسيرات حاكمة، تحد من إطلاق عنانها، وتركها للتقديرات الشخصية للقاضي.
******
ولكن مهلا، نحن نتحدث عن حالات نادرة جدا في أوربا وأمريكا، تكاد تكون حالة في العام، بما لا يمثل خطرا على حرية التعبير، ولا على السلم المجتمعي، الحقيقي غير المسيس، وطبعا لم أذكرها من باب تهوين ما لدينا.
وإنما ذكرتها لعرض الحقائق كاملة، وللتأكيد على أن لديهم مثلنا قوانين وتشريعات متعارضة، لكن الذي ليس مثلنا، هو أن هذا يمثل الشاذ وليس القاعدة، وما ليس لديهم، هو استغلال وتوظيف تعارض القوانين، للمنع والمنح، وفقا للأهواء السياسية، وكله بالقانون.

ومع الإقرار بأهمية تنقية القوانين، إلا أن مفتاح الحل في ملعب الإدارة السياسية الوطنية، التي تستطيع -لو أرادت- أن توقف جماح القوانين التي تضرب بعضها بعضا، وفقا للمزاج، وأن تساهم في أعادة تشكيل وعي الناس بشكل سوى، أو على الأقل تفتح الباب للمجتهدين ليقوموا بذلك.
فلو أن لنا أن نرتب مشكلات مجتمعنا، لكان أولها دون منازع، الإنسان، الذي أصابه الكثير من العطب، ما يحول دون قيام أي حضارة هنا، حتى يتم بناء هذا الإنسان من جديد، ليحترم العلم، والمنطق، والنظام، والعدل، ويقبل الاختلاف؛ ويؤمن أنه لا سبيل لمستقبله، ولا لبقائه، دون فتح المجال أمام حرية الرأي، والتعبير، والعقيدة، والنقد.
يقول المناضل الأمريكي الأسود، مارتن لوثر كينج:«علينا أن نتعلم أن نعيش جميعا كأخوة، أو نهلك جميعا كالحمقى».
للتواصل مع الكاتب:
KhaledPress@gmail.com

------------------------
الخبر : البحيري وناعوت ومالك وشادي.. وأنا وأنت ! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق