الارتباك الفكرى عند هيكل وقْفة عاشرة مع الأستاذ «2-٢»

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(5) لكن البحث الدقيق فى مسيرة «الأستاذ» من أجل اكتشاف كامل خريطة الارتباك الفكرى.. يحتاج إلى جهدٍ وعناء. وربما أَنْصح زملائى من خريجى قسم العلوم السياسية فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة.. ممن يواصلون دراساتهم العليا أن يبحثوا فى «الفكر السياسى عند الأستاذ» على نحوٍ مُفصَّل.. ليضَعوا المجتمع الأكاديمى.. على حقيقة الارتباك والاضطراب. وهو ما يتطلّب أن يكون حاضرًا لدى طُلاّب الإعلام والتاريخ.. ولدى الصحفيين الجادّين والمؤرخين الجدد.

(6) حين التقيتُ الأستاذ هيكل فى حفل إفطار صحيفة «المصرى اليوم» فى رمضان عام 2008 قال لى: إنه يعرف الأميرة فريال (ابنة الملك فاروق) جيدًا، وإنه يزورها هى والأمير أحمد فؤاد فى سويسرا باستمرار.

ولقد صُدِمتُ من قولِ الأستاذ.. وكانت «الصَّدمة الأولى».. أن «الأستاذ» الذى تجاوزَ نفسه.. وطمسَ مقاله الشهير «فى عيد جلوسك يا مولاى».. لكى يبنى شرعيّتَهُ الجديدة ومجَدَه اللاحق.. على العداء للأسرة المالكة المصرية السابقة.. لحساب ثورة يوليو والرئيس جمال عبدالناصر.. يقول لى: إنه صديق للأسرة.. وإنه يزور أبناء الملك فى جنيف!

ثم كانت «الصدمة الثانية».. حين قالتْ لى الأميرة فريال فيما بعد.. إنها لا تعرف الأستاذ.. وإنها لم تقابله.. وإنَّه لم يقم بزيارتها ولا زيارة أخيها فى سويسرا أو غيرها.

■ من غير المناسب أن أتوقف طويلاً عند الصدمة الثانية.. لكننى أتوقَّف عند الصدّمة الأولى. ذلك الإعجاب الكبير عند «الأستاذ».. بالعصر الملكى ورموزه وشخوصه.. وتلك الحفاوة بالأرستقراطية و«الرجعية» و«الإقطاع».. وقيادته- هو شخصيًا- لتقاليد «الإقطاعيين الجُدد» الذين أَضْحَتْ حياتُهم أكثر استرخاءً مما كانت عليه حياة الأوّلين!

ولقد فوجئت وأنا أقرأ كتاب «الأستاذ».. «الإمبراطورية الأمريكية».. وهو يُبدى إعجابه ويقدم تبريره.. لنموذج «الإقطاعى»، على حساب نموذج «الرأسمالى» أو «رجل الأعمال».. وهو ما يؤكد حالة «الارتباك الفكرى» لدى «الأستاذ».

يقول الأستاذ هيكل- فى أسىً- وهو ينتقِد صعود «الرأسمالية الأمريكية»: «بديل الأمير الأوروبى أصبح المليونير الأمريكى.. مع وجود فارق بين إقطاع الأمير وثروة المليونير.. فالإقطاع له مصدرٌ ثابتٌ معلوم، والثروة جارية.. ليس من حقِّ أحدٍ أن يسأل فيها عن مصدرٍ أو مشروعيّة»!

(7) ثمّة طريق مهم فى جغرافيا الارتباك لدى «الأستاذ».. إنه الانبهار اللانهائى بالغرب.. والحفاوة بكل ما هو أجنبى.. صحيفةً وكتابًا.. ساسةً وكُتَّابًا.. وطريقة حياة.

من النادر جدًّا أن يمتدح الأستاذ كاتبًا عربيًا، أو مفكرًا عربيًا، أو فيلسوفًا عربيًا.. من النادر جدًا أن يشير إلى كتابٍ عربى أو موسوعةٍ عربية.. إنه يولّى وجهه دومًا تجاه الغرب.. وتجاه الشرق.. دون أن يتوقّف بالتقدير الكافى عند نجوم الوطن العربى. ولقد تنبّه إلى ذلك عدد قليل من الكُتَّاب العرب.. الذين أسهبوا فى وصف ازدراء «الأستاذ» للفكر العربى.

بمهارةٍ فائقة.. يحاول «الأستاذ» حلّ معضلة إيمانه بكل العالم- إلاّ بلادنا.. وبكل الثقافات- إلاّ ثقافتنا.. من خلال حملة علاقات عامة مُحْكمَة.

تارةً.. يدعو فيها مريديه وأنصاره إلى منزله فى برقاش.. أو إلى مكتبه فى الجيزة.. وتارةً أخرى.. يُلبى حفنةً من الدعوات لاستمالة نجوم الإعلام ورؤساء التحرير ومديرى مكاتب الفضائيات الإخبارية.

وتارةً ثالثةً.. يكتب «الأستاذ» عددًا من المقدمات لبعض الكُتاب.. والمثقفين المؤثّرين. وتارةً رابعةً.. يُشِيد ببعض الأشخاص فى حفلات تقاعدهم أو أعياد ميلادهم.. أو فى كتاب تذكارى عنهم.. عادةً ما يكون بعد رحيلهم.

(8) لقد وَصَلَ انبهار الأستاذ بالغربِ أن تحدّث فى كتابه «خريف الغضب» عن رهانه على السادات.. على أساس أنه يمكن أن ينضُج.. ويصبح سياسيًا قويًّا بمرور الوقت.. مثل الرئيس الأمريكى هارى ترومان.

وعند ذكره ترومان يقول الأستاذ: «لقد بَدَا ترومان فى ذلك الوقت – وبعد روزفلت – شخصية باهتة ومجهولة. ولكن ترومان نَمَا ونضج وأصبح من أبرز الرؤساء الأمريكيين فى العصر الحديث».

عَرَضَ الأستاذ هيكل.. حديثَه عن «ترومان» بتقديرٍ واضحٍ لدوره الإيجابى فى الحرب العالمية الثانية.. حيث استطاع أن يصل إلى نهاية الحرب بنجاح.

ولقد دَعَا هذا الرأى الدكتور فؤاد زكريا لانتقاد «هيكل».. حيث إن ترومان بالنسبة للعالم- هو صاحب أكبر مأساةٍ فى تاريخ الإنسانية، وهى كارثة إلقاء قنبلتيْن ذرّيتيْن على هيروشيما ونجازاكى فى اليابان. وبالنسبة للعالم العربى.. كان «ترومان» هو صاحب قرار إعلان دولة إسرائيل.. والاعتراف بها بعد خمس دقائق فقط، والضغط على دول العالم من أجل الموافقة على قرار الأمم المتحدة بشأن قبول إسرائيل.. فما الذى يجعله يستحق المديح فى نظر الأستاذ؟!

(9) كان الغربُ حاضرًا على الدوام.. وكان صحفيّو الغرب موضعَ التقدير والاحترام.. كما كانت مدن ومطارات الغرب تبدو فى كتابات الأستاذ كأنّها نجومٌ فى مجرّةٍ أخرى.. أمّا مطاراتنا وفنادقنا ومدننا.. فهى ثقوبٌ سوداء.. إنْ تواجدتْ، فهو حديث البؤس والبؤساء!

إلى الوقفة الحادية عشرة بمشيئة الله.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.

------------------------
الخبر : الارتباك الفكرى عند هيكل وقْفة عاشرة مع الأستاذ «2-٢» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق