سبعون عامًا على اغتيال خالى أمين باشا عثمان

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هذا رجلٌ خسرته مصر حقًا.

وما أحوجنا إليه الآن، وفى كل آن، إذْ ما أشبه الليلة بالبارحة، فمصر مُثقلة بالديون الخارجية، التى تُحنِى كاهلها الاقتصادى والسياسى والاجتماعى.

فقد اغتيل قبل أوانه، وإن كان قد أرسى أسسًا، ورسَّخ تقاليد فى إطار مجاله، بحكم خبرته وذكائه، رغم أنه كان شابًا.

ولأنه فى الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ، قلت: ما أحوجنا إلى أمين عثمان- خصوصًا ونحن نعيش ليالى ظلماء كثيرة؛ بسبب تضخُّم الديون التى تَقصم ظُهُور المصريين، وهى ليست المرة الأولى التى تعانى مصر فيها ثقل الديون المتراكمة، على مدى سنوات طوال، حيث كانت سببًا لتدخُّل الدول الأجنبية فى الشؤون الداخلية المصرية، واحتلال بريطانيا لمصر.

ومثلما أنقذ أمين عثمان مصر من ديونها، فمن المؤكد أنه لو كان بيننا- الآن - لأنقذها مرةً ثانية من سيف الديون المسلَّط على رقبتها.

لكنه الفُجْر فى الخصومة السياسية، التى جعلت جسده ساحةً لرصاصات أعداء الوطن، والمُتاجرين بالتحزُّب، والمُوالين للقصر، واللاعبين على كل حبال المشتغلين بالسياسة.

لقد اجتهد أمين عثمان وطنيًّا، وكان جزاؤه الاغتيال، من طرف المُتشدِّدين والمُتطرِّفين سياسيًّا وحزبيًّا وملكيًّا.

فلقد عمل أمين عثمان طوال حياته القصيرة (47 عامًا) لصالح مصر، وليس لصالح أحد، مثلما اتهم بأنه كان يعمل لمصلحة الاحتلال الإنجليزى.

وإنْ لم يكن أمين عثمان وطنيًّا، ما كان لمصطفى النحاس أن يستفيد من خبراته وعلمه فى مفاوضات معاهدة 1936، بين مصر وبريطانيا، حيث كان سببًا رئيسيًّا فى إنجاحها، إذْ كان سكرتيرًا للمفاوضات التى نجحت بعد فشل متكرر، وذلك النجاح هو ما دفع «مجلس الوصاية »- وهو بالمناسبة كان مجلسًا مصريًّا صرْفًا- إلى منحه الباشوية فى الخامس عشر من يناير عام 1937 ميلادية؟

لو لم يكن وطنيًّا ومصريًّا صميمًا، فلماذا اختاره مكرم عبيد باشا وزير للمالية آنذاك، مديرًا لمكتبه، وعيَّنه فى الحادى عشر من يناير سنة 1930 ميلادية، حيث تم منحه الدرجة الرابعة، بعد موافقة مجلس الوزراء، فى جلسته التى عُقدت بتاريخ 25 من يناير 1930 ميلادية، برئاسة مصطفى النحاس، حيث صحبه مكرم عبيد فى العام نفسه سكرتيرًا له، ضمن مفاوضات النحاس فى لندن؛ نظرًا لسعة اطلاعه وذكائه كما تذكر الوثائق.

ألم ينجح كوزير للمالية فى تحويل ديون مصر الأجنبية، التى كانت تثقل كاهلها الاقتصادى، إلى ديْن مصرى داخلى، وبعدها صارت مصر دائنةً لبريطانيا بأرصدة مقدارها 350 مليون جنيه، كما يذكر زكى ميخائيل، وكيل مجلس الشيوخ فى يوليو 1945 ميلادية، وليست مدينةً لها بسبب حكمة أمين باشا عثمان؟

ألم يُنصف موظفى مصر عندما أصدر قانونًا يقضى بإنصافهم ماليًّا، وكان له عائد مادى إيجابى عظيم على قطاع كبير من العاملين فى الدولة المصرية؟

ألم يكتب فى مذكرة له فى الرابع من سبتمبر سنة 1943 ميلادية: «إن أول ما عنيت به منذ تقلَّدتُ وزارة المالية أن أبحث مع الإخصائيين عن خير طريقة لتحويل دين مصر من دين دولى أجنبى، إلى دين داخلى بحت، وبذلك نعدم الدين القديم، ونعدم معه ذكرياته السيئة، التى جرَّت على البلاد فى الماضى ويلات الاحتلال، وساعدت على تدخُّل الدول الأجنبية فى أخصِّ شؤون مصر الداخلية»؟

فهل يمكن أن يصدر كلام كهذا مكتوبً بخط صاحبه، وكان وزيرًا لمالية مصر عن خائن لبلاده؟

إنها حماقة الجُهَّال التى أودت بحياته، حيث اغتالته أيدى العمى والحقد والغيرة والحسد، من سياسيين لم يعجبهم صعوده الوطنى، وحكمته الفائقة فى جعل مصر تتفوق، وتنتقل اقتصاديًّا من مقعد التلميذ إلى مقعد الأستاذ.

ولو أنَّ أمين عثمان كان (خائنًا)، كما ادَّعى خصومه السياسيون، لما كتبت صحيفة (المصرى) فى السادس من يناير 1946 ميلادية: «أفزع الحادث القطر المصرى بأسره، فقد ارتُكبتْ الجريمة فى حى من أكبر أحياء القاهرة، وفى ساعةٍ يتدفق فيها سيل من الناس، فقد هزَّت تلك الجريمة مشاعر الناس جميعًا، من يعرفونه، ومن لا يعرفونه.

وقد جاءت تلك الجريمة مؤيدةً لقول القائلين، إن فى مصر عصابة إجرام سياسى غايتها الاعتداء، كما جاءت قاطعة بأن عهدًا مشؤومًا فى الإجرام السياسى بدأ فى مصر من جديد ضد المصريين».

ألم يقل «أنور حبيب» ممثل الادعاء فى قضية اغتيال أمين عثمان «إن أمين باشا عثمان مهما اختلفت النظرة إليه، ومهما تباينت الآراء فيه، لم يكن رجلا عاديًّا، أو هملا من العامة، بل كان رحمه الله، من أصحاب الرأى، له عقيدته التى يؤمن بها، وله مذهبه الذى يسير عليه؛ لأنه اعتقد- إن خطأ أو صوابًا- أن التزامه خيرٌ لمصر وبركةٌ، وأنه وحده هو الطريق السَّوى الذى ينتهى إلى تحقيق مجد مصر وعزَّتها».

كما أن الأديب الدكتور «محمد حسين هيكل باشا»، قد نفى علمه بأن يقول أمين باشا عثمان يوما: إنه ممثل بريطانيا فى مصر.

..................

أنا ما زلتُ أذكر ذلك المنزل الكبير المحاط بحديقة واسعة ذات أشجار وأزهار، على شاطئ بحر الإسكندرية فى منطقة السراى، والتى سميت باسمه، منزل جدى محمد بك عثمان (الذى كان كاتبًا وشاعرًا)، والذى كانت تصطحبنى إليه أمى إبان طفولتى البعيدة، ذلك المنزل الذى تحوَّل إلى أطلال فى أول شارع الإقبال بالسراى، بعد أن باعدت بينه وبين البحر البنايات وشريط الترامواى، لا يُسكَن ولا يُباع؛ بحجة أن تحته آثارًا تاريخية.

وآخر عهدى بذلك المنزل، حين كانت تسكن به أكبر خالاتى، وهى منيرة عثمان (والتى توفيت يوم 22 من نوفمبر 1968 ميلادية)، وكنتُ فى زيارة إلى ابنتها الدكتورة عايدة اللقانى زوجة الدكتور عبده سلَّام، الذى كان وزيرًا للصحة فى أواخر عهد جمال عبدالناصر وأوائل عهد محمد أنور السادات، أمَّا بقية الأسرة فكانت تسكن حى محرم بك، بينما خالتى ماهواش عثمان فكانت تسكن حلوان، وكان منزلها هو سكَنِى المُفضَّل حين أعود إلى مصر قادمةً من رحلاتى، وقد توفيت فى عام 2015 ميلادية.

ومنذ طفولتى وأنا أسمع الحكايات عن اغتيال أمين عثمان (وقع حادث الاغتيال فى شارع عدلى بوسط القاهرة فى الخامس من يناير سنة 1946 ميلادية)، الذى ولد فى 28 من نوفمبر عام 1898 ميلادية، ونشأ فى منزل السراى، حين كان يعمل جدى محمد عثمان سكرتيرا عاما لبلدية الإسكندرية، والذى توفى فى مساء الجمعة 27 من ديسمبر 1940 ميلادية.

وبوفاة أمى انقطعت صلتنا تمامًا بأسرتها، حيث ابتعد بنا والدى، ولم أعد إلى زيارتهم إلا بعد أن كبرتُ، وبدأتُ دراستى فى قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.

لم أر خالى أمين عثمان، ولم أعرفه إلا من خلال حكايات أفراد الأسرة عن مأساته الدامية، ولكننى التقيت ابنته الوحيدة عائشة (من زوجته البريطانية «الليدى كاترين جريجورى» التى تعرَّف بها فى إنجلترا أيام دراسته وتزوَّجها) فى لندن للمرة الأولى، حيث كان زوجى وزوجها يعملان فى السلك الدبلوماسى، وكان البعض يناديها بـ«كاتى»، لكن أمين عثمان منحها اسم نائلة أمين عثمان، ولم تبارح مصر عقب اغتياله، بل ظلت حتى وفاتها فى الخامس والعشرين من ديسمبر سنة 1988 ميلادية.

وكان أمين عثمان ذا عقل بارز منذ طفولته، حيث أظهر تفوقًا لافتًا منذ دراسته المُبكِّرة فى كلية فيكتوريا بالإسكندرية، ونال شهادة البكالوريا سنة 1918 ميلادية، وشهادة الآداب مع درجة الشرف فى التشريع، ثم سافر سنة 1920 ميلادية إلى إنجلترا ليدرُس القانون فى جامعة إكسفورد، وفى عام 1924 ميلادية عاد إلى مصر بعد أن أنهى دراسته، وعُيِّن فى الثالث عشر سنة رجوعه كاتبًا مؤقتًا بسكرتارية اللجنة المالية فى وزارة الأشغال العمومية، ومنها إلى قسم القضايا، إذْ لم يكتف بدراسته فى إكسفورد، حيث قرَّر فى سنة عودته أن يسافر إلى جامعة السوربون ليمتحن اختبارًا، يحصل بموجبه على درجة الدكتوراه فى القانون، وبعد نجاحه عُيِّن محاميًا فى قلم قضايا الحكومة المصرية، واستمر فى هذه الوظيفة نحو ثلاث سنوات إلى أن عُيِّن مفتشًا للمالية فى 22 من يناير عام 1927 ميلادية.

وظل يتدرَّج فى المناصب حتى صار وزيرًا لمالية مصر سنة 1943 ميلادية.

ولا أشك لحظة واحدة أن مصر التى أحبَّها، وعمل من أجلها كانت فى حاجة إليه فى سنواتها العجاف.

وللحديث بقية..

loutskarim@hotmail.com

------------------------
الخبر : سبعون عامًا على اغتيال خالى أمين باشا عثمان .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق