عاجل

إصلاح خطأ جسيم

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى وقت ما فى ثمانينيات القرن الماضى، حدث خلاف شديد بين «وزير الدولة» للبحث العلمى وأحد كبار العلماء، الذى كان يرأس مؤسسة علمية كبرى «مستقلة»، هى أكاديمية البحث العلمى. وكان الخلاف بين الاثنين يدور أساسًا حول موضوع على أعلى درجة من الأهمية، وهو الإبقاء على أكاديمية البحث العلمى هيئة علمية مستقلة، تضم تحت مظلتها العلمية كل الوزراء والمؤسسات العلمية التابعة لكل الوزارات، بدون حساسية تبعية وزير لوزير آخر، أم ضمها إلى وزارة البحث العلمى، بعد تحويلها من وزارة دولة إلى وزارة.

ولحسم الخلاف لصالحه، قرر الوزير نقل رئيس أكاديمية البحث العلمى إلى المجالس المتخصصة بالمخالفة للقانون.

وعقب ذلك وصل الخلاف بين الاثنين «الوزير والعالِم» إلى المحاكم، بما فيها محكمة عابدين الجزئية! التى استشكل أمامها الوزير، محاولًا تعطيل تنفيذ الحكم الصادر ضده لمصلحة العالِم الكبير، دون جدوى.

أشير هنا وباحترام شديد إلى هيئة المحكمة العظيمة التى أصدرت الحكم.

ولإيقاف هذا الخلاف، وعلى وجه السرعة، وبدون دراسة علمية إدارية متأنية صحيحة، تراعى مصالح مصر القومية، أنشأ رئيس مجلس الوزراء فى ذلك الوقت هيئة جديدة، هى هيئة الاستشعار من البعد وعلوم الفضاء «تختص أساسا بالاستشعار»، وتم تعيين العالِم الكبير رئيسًا لها بدرجة وزيرـ وهى نفس الدرجة الوظيفية التى كان يشغلها عندما كان رئيسا للأكاديميةـ وتم رفض كل محاولات إنشاء «وكالة فضاء مصرية» تختص بوضع أهداف واستراتيجية مصر القومية فى مجال علوم وتكنولوجيا وتطبيقات الفضاء المختلفة وخطط تنفيذها.

لقد رفضوا إدخال مصر إلى عصر الفضاء، على أساس أن ذلك أمر مُكلِّف مالياً! وإذا استخدمت الجملة التى قيلت لى فى ذلك الوقت فهى نصا «مش وقته»، رغم أن عصر الفضاء كان قد بدأ عام 1957.

ومنذ ذلك الوقت، وحتى الآن، فشلت كل محاولات إدخال مصر إلى المرحلة الثانية للتطور الإنسانى «الفضاء»، وللعلم نحن الآن فى عام 2016.

حلت هيئة الاستشعار من البعد وعلوم الفضاء محل «مشروع الاستشعار من البعد»، وهو مشروع أمريكى، كان يتبع أكاديمية البحث العلمى، ومقره بها نشأ لأول مرة فى مصر بتمويل أمريكى، للقيام «بأحد الأنشطة التطبيقية التنفيذية» فقط، وهو الاستشعار، وبدون أى نشاط يتعلق بـ«علوم وتكنولوجيا الفضاء»، الذى كان غير متاح لمصر وغيرها من الدول النامية.

ومن خلال هذا المشروع، كانت الولايات المتحدة تسلم مصر بعض الصور والبيانات المتعلقة ببعض الأراضى المصرية، التقطها أحد أقمار الاستشعار عن البعد الأمريكية، لاستخدامها فى التنمية، «وهذا هو الهدف الرسمى المعلن»، أما الهدف الأمريكى الحقيقى غير المعلن فهو الحصول على موافقة مصر الضمنية، وأيضا الموافقة الضمنية لكل دول العالم غير الفضائية على تصوير أراضيها بواسطة الأقمار الصناعية الأمريكية، بدون الموافقة المسبقة لهذه الدول، وبما يؤدى بمرور الوقت واستمرار الممارسة إلى نشوء عرف دولى يسمح للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى السابق، «وهما الدولتان الفضائيتان فى ذلك الوقت»، بالقيام بالتجسس على الدول من الفضاء بدون موافقتها المسبقة.

وهذا ما تم فعلا، وأصبحت الجاسوسية من الفضاء «الاستشعار من البعد» الآن عرفا دوليا مشروعا.

نحن الآن أمام خطأين حدثا فى الماضى، ومازالا قائمين حتى الآن، وهو ما أدى ومازال يؤدى إلى الإضرارـ وبشكل كبير للغايةـ بالمصالح القومية العليا لمصر، وهما:

أولا: بقاء إنشاء وكالة فضاء مصرية أمرا مؤجلا حتى الآن، بكل ما أدى ويؤدى إليه ذلك من عدم وجود مؤسسة مصرية مسؤولة عن كل الأنشطة الفضائية «علوم وتكنولوجيا وصناعة، وتطبيقات، وتنسيق ومتابعة... إلخ»، وبدون بناء حقيقى دائم للبنية العلمية التكنولوجية الصناعية الفضائية، بالإضافة إلى إهدار مليارات الدولارات، فتخلفنا عن كل دول العالم إقليميا ودوليا فى إحدى أهم الطفرات العلمية والتكنولوجية فى العصر الحديث «الفضاء»، وسنبقى مكتفين بشراء الصور الفضائية والأقمار الصناعية! وإذا ضاعت أو انتهى عمرها الافتراضى نصبح بدون أقمار صناعية، ونعيد صرف مليارات الدولارات. أقول مرة أخرى، وبأعلى صوت: «عدم إنشاء وكالة فضاء مصرية أمر ضار للغاية بالمصالح العليا لمصر».

ثانيا: بقاء وزارة البحث العلمى كما هى الآن وزارة تنفيذية، وعدم تحويلها إلى وزارة دولة، وبالتالى بقاء أكاديمية البحث العلمى على حالها مؤسسة علمية تابعة غير مستقلة، مُكَبَّلة بكل مُعوِّقات العمل فى المؤسسات الحكومية التقليدية، وبالتالى عدم وجود مظلة علمية تضم كل المؤسسات العلمية والتكنولوجية فى مصر، دون حساسيات. وهو خطأ يمكن إصلاحه إذا درسنا تجارب كل دول العالم المتقدم، «والدراسات موجودة وجاهزة»، وأعدنا هيكلة أكاديمية البحث العلمى، وقررنا إعادتها على قمة المؤسسات العلمية التكنولوجية فى مصر، وهو أمر إذا لم يتم، أقول بكل ما أوتيت من قوة: «فلن يكون هناك إصلاح للبحث العلمى فى مصر مهما تكررت المحاولات».

هذان الخطآن سوف أناقشهما فى مقالات تالية.

*رئيس مجلس بحوث الفضاء سابقًا

------------------------
الخبر : إصلاح خطأ جسيم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق