لماذا نحن أغرابُ؟

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب الشاعر الفلسطينى هارون هاشم رشيد قصيدة «أغراب» فى الخمسينيات، وهو الزمن الذى شاعت فيه تسمية الحالة الفلسطينية بالنكبة والشعراء الفلسطينيين بشعراء النكبة. فى القصيدة التى غنتها فيروز يأتى تساؤل مرير على لسان فتاة صغيرة تقول لأبيها: لماذا نحن يا أبَتِ.. لماذا نحن أغرابُ. أليس لنا فى هذا الكون أصحابٌ وأحبابُ؟.

منذ سنوات، لم يغادرنى نفس السؤال وأنا أشاهد ما يحلّ بوطننا من خراب، رغم أن أرضنا ليست محتلة، لكن يبدو أن تأثير الاستبداد المحلى يفوق ما يحدثه الاحتلال الإسرائيلى من دمار. كيف يتأتى أن يأكل الناس فى كل مكان طعاماً سليماً ولا نأكل إلا خضروات مرويّة بماء المجارى وأسماكًا فاسدة وصل إليها السم وهى تسبح فى ترعنا وبحيراتنا؟ كيف يكون ذبح الحمير وبيع لحومها فى الأسواق خبراً معتاداً فى صحفنا كل صباح طوال الأعوام الماضية، حتى إن الناس لم تعد تفزع لهذه الأخبار، وهو الأمر الذى شجع بعض المسؤولين على طمأنة الناس بأن لحم الحمار غير ضار بصحة الإنسان!. إننى مازلت أذكر أول مرة سافرت فيها خارج مصر ورأيت شكل الفاكهة.. حينها لم أصدق ما رأيت وتساءلت بينى وبين نفسى: أولسنا بنى آدميين مثل الناس هنا؟ كيف بالله تطرح أراضيهم فواكه بهذا الشكل وهذه الحلاوة، فى حين لا تطرح أرضنا الخصبة إلا المضروب والمعطوب من الفاكهة؟ لم أكن بطبيعة الحال أتعجب من الفرق بين التفاح المصرى والتفاح اللبنانى، لأنى أعرف أن التربة المصرية ليست مناسبة لزراعة التفاح، لكنى كنت أعجب من الطماطم والفراولة والموز والعنب والخوخ.. لماذا يتعيّن علينا ألا نذوق شيئاً طبيعياً له طعم حقيقى إلا إذا كان مستورداً؟ إننا، والله، مواطنون صالحون نؤدى كل ما علينا، فنحن نعمل ونتعب وندفع ضرائب ونؤدى خدمة العلم، ومع ذلك لا نحصل إلا على الزبالة فى الأكل والشرب، ناهيك عن باقى الخدمات. لماذا نحن الوحيدون فى الدنيا الذين يدفعون ثمن تركيب عداد الكهرباء وعداد الغاز، ثم تأتى فواتير باهظة لشقق مغلقة لم يُضأ فيها مصباح ولا اشتغل بها بوتاجاز منذ سنين، بما يعنى أن العدّاد عبارة عن كذبة كبيرة يستعينون بها للنصب علينا؟ لماذا يستطيع الرجل الشريف فى كل مكان بالعالم أن يعيش دون عناء إلا فى بلادنا.. هنا لا يمكن للطبيب أو المهندس أو المدرس أن يكون شريفاً ومستوراً فى نفس الوقت. لماذا يضعون الرجل منا فى اختبار حاد أمام أولاده، فإما أن يضيّق عليهم ويجعلهم يقاسون الحرمان معه، أو أن يتعلم السرقة ويقدم لأولاده من المال ما يحشو به أفواههم فلا يسألونه أسئلة محرجة عن الحرام والحلال؟. إننى وغيرى نعرف أن البلاد العربية كلها تقريباً محتلة وتعوم فى الفساد، لكنْ هناك فرق بين بلاد غنية يتم تمويل الفساد فيها من باطن الأرض وبلاد فقيرة يتم تمويل الفساد فيها من لحم البشر، لهذا فإننا نناشد اللصوص الكبار فى بلادنا أن يسرقوا بالمعقول حتى يظل هناك دائماً ما يمكن سرقته!.

لماذا نحن يا ربِّ.. لماذا نحن أغرابُ؟ أليس لنا فى هذا الكون أصحابٌ وأحبابُ؟

------------------------
الخبر : لماذا نحن أغرابُ؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق