«ثورة اجتماعية»

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كل مخالفاتنا مردودها إلى انحراف فى الأخلاق، انحدرنا بها إلى أسفل سافلين، فتضاعفت كل الجرائم، وطَفَت آثارها إلى السطح، وتكررت مشاهدها أمام بصائرنا حتى صارت عادية وجزءا من حياتنا، نرى أبشعها، فتمر علينا مرور الكرام، أو نكتفى بالترحم على الماضى الجميل أو مصمصة شفاهنا، وتدور بنا الأيام وننسى ونتناسى، ونترك الضحايا يتجرَّعون كل أشكال الجحيم.

وفى واحدة من السلسلة الملعونة، أطلت علينا بالأمس جريمة بشعة فى جمعية للطالبات اليتيمات فى الجيزة، فقدت طالبة حارسها وصارت مطمعا للذئاب والكلاب، تعرضت لجريمة فى عراكها للحياة، ومضت بها الأيام تصاحبها أوجاع الذكرى، انتقلت للإقامة فى دار الأيتام، تجمعها وقريناتها عشرات الحكايات الموجعة.

وفى يومٍ قاسٍ، استدعاها إخصائى اجتماعى، مهمته الرسمية هى فحص ملفات الأيتام والبحث عن طرق لعلاجهن نفسيا، وعليه مهمة إنسانية أكبر تتمثل فى دوره فى الحياة كإنسان، لكنه تنكر لمهمته وإنسانيته، وكان أشد قسوة على ضحيته، استغل معرفته بمأساتها القديمة- بحكم وظيفته- راودها عن نفسها، صدَّتْه واستعصمت، هددها بإذاعة فضيحتها بين أقرانها، استخدم هذا السلاح حتى تمكن منها، حوَّل جسدها إلى وجبة التهمها عدة مرات.

ولم تظل الواقعة سرا، طَفَت التفاصيل الوقحة على السطح، وشَكَت الضحية لمديرة الجمعية، ولم تتردد السيدة فى تحرير محضر ضد المتهم، وألقت الشرطة القبض عليه، وأُحيل إلى النيابة للتحقيق معه ومواجهته بأقوال الفتاة، وسادت حالة من الخوف والتخوين بين كل الطالبات، وازدادت أوجاع الضحية وتضاعفت، وإذا لم تخضع لعلاج حقيقى من كل الجوانب، فستكون النتائج شديدة السوء فى المستقبل، وتكون المؤسسة الاجتماعية قد دمرت حياة ضحية ولم تعالجها.

وقبل أن نسوق المُبرِّرات، وقبل أن نتجاوز منهجنا بـ«براءة المتهم حتى تثبت إدانته»، أطلقوا لخيالكم العنان بأن الفتاة هى التى استدرجت الإخصائى الاجتماعى، أو أن الجريمة الأولى غيَّرت من سلوكها، أو أنه لم يُرغمها على ما نُسب إليه وأن كل شىء حدث بالتراضى، تَخيَّل ذلك وأكثر، لكن تبقى الجريمة وتفاصيلها، جريمة فشل مؤسسة اجتماعية فى تأدية دورها، يبقى غياب الرقابة والمتابعة وتحول كثير من هذه الدور إلى مسميات أخرى.

والجريمة قديمة، تكررت فى صور شتى، تناولها الإعلام وجسدتها السينما، وقدمها المسرح، لكنها بقيت واستمرت، انتصرت على كل محاولات الإصلاح وإعادتها إلى دورها الحقيقى، وهذه الجريمة تلزمها إعادة النظر إلى هذه المؤسسات من جديد، تستوجب أن تبدأ الدكتورة غادة والى، وزير التضامن، بثورة فى هذا القطاع، وحتمى أن نراجع عمليات الرقابة والتفتيش وتطبيق البرامج وتطويرها وإعادة صياغتها، بما يضمن إعادة تأهيل الشاردين والجانحين والأيتام ودمجهم فى المجتمع بالصورة التى تجعل منهم أدوات إنتاج وبناء.

والخطورة كل الخطورة فى إضافة مزيد من المعاناة لهذه الشريحة من المجتمع، لأن أمثالهم حين يخرج إلى الحياة دون علاج، ينقل ما به من أمراض إلى مَن حوله، تبدأ من التعامل العنيف وتمتد إلى تنفيذ أبشع الجرائم بالوكالة، أعلم أن المهمة صعبة وأن أخلاقنا جميعا- إلا مَن رحم ربى- تحتاج إلى إعادة صياغة من جديد.

------------------------
الخبر : «ثورة اجتماعية» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق