عاجل

ما يحدث فى حلب سيشكِّل مستقبل أوروبا

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب: نتالى نوجايريد

لصحيفة جارديان البريطانية

إذا سقطت حلب، فالحرب الشرسة فى سوريا ستأخذ منعطفاً جديداً تماماً، وسيكون لها عواقب بعيدة المدى، ليس فقط فى المنطقة لكن فى أوروبا أيضاً. آخر هجوم حكومى على المدينة المحاصرة بشمال سوريا، الذى تسبب فى فرار عشرات الآلاف من السكان فى الأيام الأخيرة، يعد لحظة حاسمة لطبيعة العلاقات بين الغرب وروسيا، الذى يلعب سلاحها الجوى دوراً رئيسياً، لأن هزيمة المتمردين المناهضين للأسد الذين يسيطرون جزئياً على المدينة منذ 2012، لن يترك شيئاً على أرض الواقع فى سوريا سوى نظام بشار الأسد و«داعش»، وسيتلاشى كل أمل فى التوصل إلى تسوية تفاوضية تضم المعارضة السورية. لقد كان هذا هو الهدف الروسى منذ فترة طويلة، وكان فى صلب قرار موسكو للتدخل عسكرياً منذ 4 أشهر.

ومن الصعب تصديق أنه من قبيل المصادفة أن قصف حلب، رمز الثورة المناهضة للأسد عام 2011، بدأ فى نفس وقت إجراء محادثات السلام فى جنيف. وكما هو متوقع، سرعان ما تعثرت المحادثات. كان من الواضح أن التصعيد العسكرى الروسى فى دعم الجيش السورى هدفه تخريب أى محاولة لأن يكون للمعارضة الحقيقية كلمة فى مستقبل البلاد، وكان من المفترض إحباط أى مساعٍ للغرب أو الأمم المتحدة، وهذا يتناقض تماماً مع التزام موسكو المعلن بدعم العملية السياسية لإنهاء الحرب.

سيشعر بالهزات الارتدادية القاصى والدانى. إذا كان يوجد شىء واحد تعلمه الأوروبيون فى 2015 فهو أنه لا يمكن أن يكونوا بمنأى عن آثار النزاع فى الشرق الأوسط، وإذا كان يوجد شىء واحد تعلموه من الصراع فى أوكرانيا 2014 فهو أن روسيا لا يمكن أن تكون صديقة أوروبا، لأنها قوة رجعية.

فى الواقع، مثلما مصير حلب معلق فى الميزان، برزت الصلات بين المأساة السورية واستراتيجية إضعاف أوروبا والغرب. وهذا التأثير غير المباشر لم توله موسكو اهتماماً كبيراً فقط، بل غذَّاه فى الواقع انتشارعدم الاستقرار، الذى يتناسب تماماً مع هدف روسيا بالسعى للهيمنة من خلال استغلال تردد وتناقض هؤلاء الذين تعتبرهم أعداء لها.

حلب ستحدد كثيراً مما سيحدث بعد ذلك، ومن شأن هزيمة قوى المعارضة السورية تمكين أسطورة «داعش» بأنها المدافع الوحيد عن المسلمين السنة، مثلما ترهب السكان الذين تحت سيطرتها. يوجد العديد من المفارقات المأساوية هنا، ليس أقلها أن الاستراتيجية الغربية ضد «داعش» تعتمد رسمياً على بناء قوات برية خاصة بالمعارضة السورية، لعلهم فى يوم ما يتمكنون من دفع المسلحين الجهاديين من معقلهم فى الرقة، وإذا كان الناس أنفسهم الذين كان من المفترض أن يعتمد عليهم للقيام بهذه المهمة كجنود مشاة انتهى بهم الأمر الآن بمحاصرتهم وسحقهم فى حلب، فعلى من سيعتمد الغرب حالياً؟ طالما ادعت روسيا أنها تقاتل «داعش»، لكن فى حلب هى تساعد فى تدمير تلك الجماعات السورية التى أثبتت فى الماضى كفاءتها ضد «داعش».

إذا كان لدى البعض أى شكوك حول أهداف روسيا من التدخل فى سوريا، فالتصعيد الأخير للمقاتلات الروسية حول حلب أزال هذه الشكوك تماماً.

فلاديمير بوتين كرر فى سوريا الاستراتيجية التى طبقها على الشيشان: الهجوم العسكرى الكامل على المناطق المأهولة بالسكان حتى يتم تدمير المتمردين أو إجبارهم على الخروج، وهناك تاريخ طويل من الروابط، يعود إلى الحقبة السوفيتية، بين هيكل السلطة السورية والمخابرات الروسية. وبالضبط مثلما قضى نظام «بوتين» جسدياً فى الشيشان على كل المتحاورين لتسوية سلمية عن طريق التفاوض دمج الأسد المعارضة السياسية بأكملها مع «الإرهاب».

ومع ذلك، فالأهداف الاستراتيجية الروسية تذهب أبعد من ذلك، إذ يريد «بوتين» تأكيد القوة الروسية فى الشرق الأوسط، لكن أوروبا هى أكثر ما يضعها فى الاعتبار، وجاءت اللحظة الفارقة فى 2013 عندما تراجع باراك أوباما عن الضربات الجوية ضد القواعد العسكرية للأسد بعد استخدامه الأسلحة الكيميائية، فشجع «بوتين» لاختبار العزم الغربى بعيداً، فى القارة الأوروبية، حيث أخذت الانتفاضة الشعبية الأوكرانية «بوتين» على حين غرة، لكنه تمكن بسرعة من استعادة الهيمنة باستخدام القوة، بما فى ذلك ضم الأراضى، وأدرك بطريقة سليمة أن الحرب فى أوكرانيا لا يمكن للغرب منعها، السياسات الروسية فى أوكرانيا هزت أركان النظام الأمنى فى أوروبا الذى يرغب «بوتين» أن يرى إعادة كتابته لمصلحة روسيا.

وبالمثل، وضع التدخل الروسى العسكرى فى سوريا حلف شمال الأطلسى «ناتو» فى مأزق بعدما جعل إحدى دوله الرئيسية وهى تركيا على الجبهة، وأصبحت العلاقات الروسية التركية على المحك علناً بسبب أزمة إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية، والآن، بعدما حذرت موسكو علناً تركيا من إرسال قوات إلى سوريا للدفاع عن حلب، فالأسلوب الذى ستختاره القيادة السياسية لتركيا للرد على سقوط حلب سيبقى متاحاً فى يديها وسيبقى سبباً فى الصداع المستمر للغرب.

كل هذا يحدث فى الوقت الذى تسعى فيه الحكومات الأوروبية لكسب تعاون أنقرة بشأن مشكلة اللاجئين، وإذا أصبحت تركيا الآن تسبب المتاعب لحلف شمال الأطلسى فسيخدم المصالح الروسية، وبالمثل، استقبال أوروبا موجة جديدة من اللاجئين، فكذلك هذا سيصب فى مصلحة روسيا.

وبطبيعة الحال، سيكون من قبيل المبالغة القول إن «بوتين» خطط لكل هذا منذ البداية، إذ قادته الأحداث بقدر ما كان يريد السيطرة عليها، وروسيا ليست مسؤولة عن اندلاع حرب أهلية فى سوريا، لكن الطريقة التى حركت بها قطع الشطرنج الخاصة بها من المفترض أن ترسل المزيد من أجراس الإنذار فى الغرب والأمم المتحدة أكثر مما هو عليه الحال الآن.

«بوتين» يحب تصوير نفسه بأنه رجل دولة ونظام، لكن سياساته فى سوريا تثير الفوضى، وأوروبا يجب أن تستعد لدفع الثمن بشكل متزايد، وإجبار النظام الروسى على تغيير سياساته يتطلب أكثر من التمنى، حلب هى مأساة إنسانية واضحة، لكن لا بد من الربط بين محنة هذه المدينة، ومستقبل أوروبا، وكيف تحوم روسيا فوق الاثنين.

«بوتين» يحب تصوير نفسه بأنه رجل دولة لكن سياساته فى سوريا تثير الفوضى

ترجمة- غادة غالب

------------------------
الخبر : ما يحدث فى حلب سيشكِّل مستقبل أوروبا .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق