مرافعة الذبابة

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يقول «سقراط»: «كانت أمى قابلة (داية)، تُولّد النساء، وأنا أقوم بتوليد العقول». والمقصود هو طريقته فى تجديد الفكر الراكد عبر تساؤلاته ومحاوراته. لم تصلنا كتابات ومقولات وأفكار «سقراط» مباشرة، لكنها وصلت إلينا عبر تلاميذه الأوفياء، «زينوفون» و«أفلاطون»، وآخرون. يعنينا فى هذا المقام الدروس المستفادة، معنى «القول» بغض النظر عن «القائل». وصف «سقراط» نفسه- أو وصفه أفلاطون- بأنه بالنسبة لمواطنى «أثينا» «لزقة»، مثل ذبابة الخيل gadfly، لا تتوقّف عن اللدغ، فتجعل الحصان يقظًا دائماً. تذكّر أننا نتحدث عن محفزى خيول التفكير والعقلانية، لا عن براغيث وقراد كلاب الغوغائية.

نجح الحاقدون فى تقديم «سقراط» للمحاكمة بتهمة ازدراء آلهة أثينا وتقاليدها وأعرافها، وإفساد الشباب ببث أفكاره و«حكمته المدعاة» بينهم. سجل بعض المعاصرين محاكمة سقراط ولكن من المفترض أن كتابات «أفلاطون» هى الأقرب فى رسم صورة ما جرى، حيث إن كتابه «المرافعة» Apology، هو أقرب الكتب صدوراً إلى تاريخ الحدث، ووفاة سقراط عام 399 ق.م. انتقد «سقراط» أن يكون من ضمن ممثلى الادّعاء ذلك الشاب صغير السن، فمن أين له الخبرة والقدرة على التمييز ومعرفة معنى كل اتهام من الاتهامات الموجهة إليه؟ (تُرى ما هو متوسط عمر ممثلى الادعاء فى مصر؟). قال: «كيف يتأتى لى أن أُعلّم الحكمة للآخرين وأنا لا أملكها؟ لدىّ حكمة وحيدة هى إدراكى لجهلى، ومع ذلك فإننى أكثر حكمة من هذا الرجل، فكلانا لا يعرف شيئاً، ولكنه لا يدرك أنه لا يعرف، بينما أنا أدرك أننى لا أعرف». أمتلك حكمة وحيدة هى إدراكى لجهلى. خسر سقراط قضيته أمام قضاته، «المحلفين» الخمسمائة، تمت إدانته بفارق ثلاثين صوتاً. كان العُرف الأثينى يقضى بالاستماع إلى مقترح للعقوبة، من الادعاء ومن المُدَّعى عليه. سخر «سقراط» من القضاة، مقترحًا عليهم بدلًا من أن يعاقبوه أن يكرموه من أجل ما فعله لأثينا، ويستضيفوه نزيلاً بقصر ضيافة العظماء، موفرين له طعامه وشرابه. حاول أن يفتدى نفسه بكل ما يملك.. مائة دراخمة، ولم يُفلح. رفع أصدقاؤه وتلاميذه الفدية إلى ثلاثة آلاف دراخمة، ولكن.. هيهات. عليه أن يدفع عمره ثمناً لمحاولته تجديد الخطاب الدينى الأثينى.

القانون أولاً وأخيراً

تسلل «كرايتون» فجراً إلى زنزانة «سقراط»، بعد الاتفاق مع الحارس، حاول إقناعه بالهروب من أجل أبنائه الثلاثة، الهروب من هذا الحكم الظالم، من الموت الوشيك. أخبره أنه قد تم تدبير كل شىء، لن يضار أحد من هروبه، وتم توفير ما يكفل له الحياة الرغدة فى مهربه. رفض «سقراط» عرض الصديق، ودار بينهما حوار مهم، وبصفة خاصة للمهتمين بعلم الأخلاق «deontology»، فكل منهما يحاول إقناع الآخر بصحة رأيه. «سقراط» رفض فكرة الهروب، ففى بلد المنفى، سيلقى نفس النظرة، لأنه لن يغير أفكاره. ورفض الهروب خوفاً من الموت، ففلسفته تقول إنه «ليس على يقين من أن الموت شىء سيئ»، بل ربما كان الموت هو الحل الناجع لمشكلته ولمشكلة «أثينا». كما أنه لا يريد أن يعامل، فى العالم الآخر بعد موته، معاملة سيئة لكونه معتدياً على القانون بهذا الهروب. رفض الهروب، لأن العقد شريعة المتعاقدين. وكان يعتبر أن المواطن الراشد يرتبط بـ«عقد اجتماعى» بعلاقة أبوية مع كل قوانين المدينة التى ارتضى أن يعيش فيها. وأن مخالفة القوانين هى بمثابة عقوق الوالدين. لم يرغب «سقراط» فى أن يفسخ العقد وحسم النقاش مع صديقه بسؤال: «هل إذا هربت أكون قد اعتديت على القانون؟ وكان الرد هو: «نعم». تجرع «سقراط» المجدد السم، إنفاذاً لحكم القانون، ومات فداءً لمبادئه، لقناعاته، ولفكرة سيادة القانون والانصياع له. ويجدر هنا ملاحظة أن «سقراط» لم يناقش فحوى القانون، لم يُبدِ رضاءه أو اقتناعه، ولكن المسألة بالنسبة له كانت فكرة «سيادة القانون» بالرغم من مضمونه أو ظلم بعض القضاة.

من محاورات كرايتون

■ القانون وحدة واحدة، وكسر مادة فى القانون يعنى كسر القانون كله.

■ لا تنشغل بالرأى العام، وعليك أن تُصغِى إلى الحكماء والخبراء.

■ لا تنشغل بمكانتك بين الناس، ولكن اهتم بأفعالك وسلوكك القويم.

■ الأثينيون يتركونك مع معتقداتك، ولكنهم يحاكمونك لو حاولت تدريسها للآخرين وإقناعهم بتمثلها.

(لاحظ، منذ الأزل، أن «جريمة التجديد» لا تكمن فى أن تعتنق فكراً جديداً، بل هى أن تحاول توعية البشر بهذا الفكر. يا ترى إنت فين يا مرزوق.. قصدى.. يا إسلام).

بلد شهادات.. وحصانات

■ من المفترض أن مفهوم المواطنة يتضمن أن يتساوى الجميع إزاء الحقوق والواجبات، ولكن واقع الأمر يقول إن تحايل الناس والفئات والنقابات والهيئات يهدر هذا المفهوم. فكلٌّ يتمترس بحصانة ما، أو يسعى للحصول عليها، وما أكثر المبررات الواهية، وما أقل الأسباب المنطقية.

■ حصانة برلمانية، حصانة أجهزة القوات المسلحة، حصانة أجهزة الأمن القومى والأمن الوطنى، حصانة الهيئات القضائية، حصانة الصحافة والإعلام، حصانة رجال الدين منذ ظهور الإسلام حتى يومنا هذا، فضلًا عن ممارسة بعض النقابات أدوار ديكتاتورية الفئات المحصنة.

■ لا توجد مهنة أو وظيفة لا يعمل بها إلا الأطهار المعصومون الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.

■ التعليق على أحكام القضاء، وهو ليس بجريمة قانوناً، كما أنه لا ينتقص من قدر القضاء، ولا يعتبر إساءة له، وإنما الإساءة للقضاء تأتى من الأحكام المشوبة بالأيديولوجيات والمعتقدات السياسية والدينية، أو تلك التى تبين عن قصور فى امتلاك أدوات المهنة.

■ هل قانون «ازدراء الأديان» وصمة عار فى جبين المشرّع المصرى، أم هو وصمة عار لكل النخب المصرية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى متى يظل سيفاً مسلطاً على رقاب الناس، فى بلاد أنجبت عبدالعزيز فهمى، وعبدالحميد بدوى، والسنهورى، ووحيد رأفت، وغيرهم من جهابذة القانون؟

■ علاج كوارث «الألتراس» هو القانون، ثم القانون. وغير ذلك من أساليب لن يؤدى إلا إلى المزيد من الكوارث، والأيام بيننا.

■ إسلام بحيرى فى السجن، والناس على وشك أن تنساه، فلا هو ينتمى لفصيل سياسى ولا لفصيل «ثورى»، ولا حتى للألتراس. والحياة مستمرة، عادى، مجرد مُجدِّد وانسجن، فيها إيه يعنى.. غلطنا فى البخارى؟

------------------------
الخبر : مرافعة الذبابة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق