عاجل

حشْو مُصران

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى مطعم شعبى بحى روض الفرج جلست أتشمم روائح الطعام التى تأخذ اللب. هو مطعم صغير لا يشبه المطعم الشهير فى إمبابة الذى كان يقصده الفنانون ولاعبو الكرة، ثم فوجئنا بإغلاقه لأنه يقدم طعاماً فاسداً، كما أنه يختلف عن مطعم أم سمير الذى زعموا تقديمه لحوم حمير، فقام بحملة إعلانية كبيرة لدحض التهمة، لكنه مع ذلك عدّل المنيو وجعل وجبة الهُبَر التى كانت تضم ثلاثة قطع فخمة من اللحم تتقلص إلى قطعة واحدة، وهو ما فسره الزبائن باضطراره صاغراً إلى بيع لحوم طبيعية!

مطعمنا هذا صغير فى المساحة ويضم أربع طاولات فقط ويقدم الطبيخ والطواجن التى ترُد الروح، ولضيق المكان فقد شاركنى المائدة رجل بجلباب تبدو على وجهه علامات الطيبة لم يتردد فى فتح حوار عن الأكل ومدارسه والمطاعم وأنواعها. طلبت زوجاً من الحمام المشوى وطلب رفيق المائدة طاجن بطاطس باللحم وطاجن عكاوى مع شوربة وأرز وسلاطة. فى انتظار الحمام جلست أرقب الرجل وهو يترك الأكل كله ويُقبل فى تلذذ على طبق الأرز بالشعرية. كان يأكل ويضحك ويلقى النكات فى نفس الوقت. لاحظت أنه يأكل أرزاً فقط.. لا يضيف إليه الطبيخ ولا اللحم ولا السلاطة، حتى الشوربة أهملها وانكفأ على الأرز المفلفل. بعد أن أفنى الطبق طلب واحداً آخر. انشغلت بتناول الحمام الذى وصل، لكنى عاودت مطالعة الرجل فوجدته بدأ يمزج اللحم والخضار بالأرز وكان واضحاً أنه يقضى وقتاً سعيداً. قلت له: رأيتك تأكل الأرز فقط.. يبدو أنك كنت سارحاً فنسيت وجود أصناف أخرى أمامك. ضحك قائلاً: أبداً وحياتك لم أنس، لكن للأكل أصول، وتناول الطعام يحتاج للمفهومية والأمر ليس مجرد حشو مُصران. أعجبنى مصطلح حشو مصران فأعطيت الرجل أذنى ليشرح.. قال: لماذا يطلب الناس المخلل والسلاطة إلى جوار الأكل؟ هممت بفتح فمى للإجابة لكنه لم ينتظر.. قال: لفتح الشهية طبعا، لكن ماذا لو كان الأكل شهياً ولا يحتاج إلى محفزات؟ ما الذى يجعلك تقحم فواتح الشهية على طعام هو بطبعه لذيذ ومكْتَف بذاته؟ إن طبق الأرز هذا هو من أجمل ما يقدم هذا المطعم.. هل تصدق أننى أنزل من بيتى المجاور وآتى إلى هنا من أجل الأرز؟.. نظرت إليه فى دهشة فأكمل: إن خلط الأرز بالخضار يضيّع طعم الأرز ويفسده، والواجب أن أبدأ به قبل أن يبرد. قلت له وماذا عن الشوربة؟ أوليست مخلوقة للافتتاح؟ قال فى جدية: من الذى أخبرك بهذا.. هل هو قانون.. هل مذكور فى تذكرة داوود الأنطاكى؟ إن البدء بالشوربة مجرد تقليعة غربية لا تُلزمنى، ولعلك تلاحظ أننى دخلت فى طبق الأرز الثانى، لكن هنا قد آن أوان المُحسنات البديعية من عكاوى وبطاطس وشوربة وسلاطة لأن الشهية بدأت تفتر وتحتاج إلى ما يوقظ همتها. نظرت إلى الرجل ذى الجلباب الشعبى فى تعجب.. لقد صاغ دون أن يدرى نظرية فى التدرج والتمهل والاستجابة لمقتضيات المراحل. أدركت أننى بإزاء رجل حكيم يعرف لكل شىء موعداً، ولديه بوصلة ذاتية تحدد له الأمر وتقود خطاه نحوه. الغريب أن المطاعم بأنواعها عرّفتنى على حكماء داخل مصر وخارجها، ويبدو أن بالطعام حكمة وأنه فعلاً ليس مجرد حشو مُصران!

------------------------
الخبر : حشْو مُصران .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق