عاجل

ميرين جيدا يكتب: «الخيار الصعب» لأنجيلا ميركل

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

امتلكت ألمانيا إرثاً من الانقسام يظهر جلياً لكل من تطأ قدماه أراضيها، فمازالت بقايا الحائط العازل، الذى فصل الغرب الديمقراطى عن الشرق الشيوعى، قائمة وشاهدة على الانقسام وخسائره، وبسقوطه عام 1989، تطلعت برلين إلى حلم الدولة الموحدة التى لا يعرف الانقسام إليها سبيلا.

ولكن شبح الانقسام عاد ليهدد حياة الألمان مرة أخرى، بوصول اللاجئين إلى شطآنها، إذ استقبلت برلين التى يبلغ تعداد سكانها 3.5 مليون نسمة، حوالى 80 ألف لاجئ العام الماضى، ليعلن «مجلس اللاجئين» فى برلين، منظمة غير حكومية، أن اللاجئين الذين طرقوا أبواب بلادهم، يناير الماضى، تجاوز عددهم من طرقوه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، واتخذ اللاجئون من المدارس، وصالات الألعاب الرياضية، والمطارات القدمة، والمبانى الكبيرة سكناً لهم.

فى الشهر نفسه أعلنت السلطات أن منزلاً فى ضاحية موابيت، كان يستخدم كمأوى للمشردين لأكثر من 20 عاماً، سيتم فتحه للاجئين، وأحيلت إلى إحدى الشركات مهمة تقسيم العقار وتقسيم غرفه الكبيرة إلى غرفتين، بحيث يستوعب أكبر عدد من طالبى اللجوء، وطلبت السلطات من بعض ولايات الجنوب، ومنها بافاريا وبيدن فوتيمبرج، أن تكثف جهودها لاستيعاب أكبر عدد ممكن منهم، وأحيل إلى مجالسها المحلية مسؤولية توفير المأوى لـ28% من طالبى اللجوء، ولكن ضغوطاً أثقلت كاهل ميركل، مارسها ضدها الناخبون والساسة من المعترضين على سياساتها إزاء اللاجئين، وطالبوا بتغييرها.

وبنهاية عام 2015، ومع استمرار سياسة «الباب المفتوح» التى انتهجتها «ميركل»، وصل عدد طالبى اللجوء إلى 1.1 مليون مواطن، وهو العدد الذى تراجع فى يناير 2016 إلى 91 ألفاً و671 شخصاً، بسبب الظروف المناخية السيئة للبلاد، ورغم هذا التراجع فإن عدد اللاجئين لايزال يمثل ارتفاعاً كبيراً عن الربع الأول من العام السابق، حين استقبلت ألمانيا 73 ألف طلب لجوء.

ومع مرور الوقت صار ثمة توجهات عدائية من جانب الألمان إزاء طالبى اللجوء، وهى التوجهات التى عززتها حوادث السرقة، والاعتداءات التى وقعت ليلة رأس السنة الجديدة، ومن قبلها الهجمات التى شهدتها باريس فى 13 نوفمبر الماضى، خاصة بعدما أكدت أجهزة الأمن فى البلدين أن طالبى اللجوء كانوا من بين المتورطين فى الحادثين، وكان لبلدة مثل كولونيا، الواقعة بولاية شمال الراين وستفاليا، النصيب الأكبر من حوادث الاعتداء، ورغم أن المجلس المحلى كان قد صرح فى عام 2015 بأن الولاية ستتولى أمر 21% من طالبى اللجوء، فإن ساسة ألمانيا لجأوا إلى المطالبة بفرض المزيد من القيود على الهجرة إليها، حتى صرحت ميركل نفسها: «ارتكبت خطأً كارثياً»، وأشار استطلاع رأى، نشرت مجلة « فوكوس» (Focus)، نتائجه فى 29 يناير، أن 40% من الألمان يطالبون باستقالة «ماما ميركل».

الواقع أن «ميركل» وجدت نفسها فى مأزق، وكمواطنة نشأت فى ألمانيا الشرقية، فإنها تعى جيداً ما يعنيه أن يتجرد الفرد من الحرية والفرصة، وهى كمعظم الألمان، تعلم أحق العلم بالدور الذى تلعبه بلادها فى حربين تدور رحاهما حتى الآن، ولكنها بعد هجمات كولونيا، صارت مثقلة بالضغوط، فالعديد من الألمان صارت تحكمهم رؤى متشددة إزاء المهاجرين منذ هجمات كولونيا، وصار هناك من الجماعات من ينظم تظاهرات للتنديد بسياسة الباب المفتوح، وعلى رأسها جماعة «بيجيدا» التى نجحت فى استقطاب المؤيدين لرؤاها، وهو ما يوضحه استطلاع رأى نشرته مجلة «بيلد» يناير الماضى، يشير إلى أن 12.5% من المشاركين فى الاستطلاع أكدوا أنهم سيصوتون لصالح حزب «البديل من أجل ألمانيا» فى الانتخابات التالية، مقارنة باختيار 10.5% منهم فقط التصويت لهذا الحزب فى نوفمبر من العام الماضى، وصرح رئيس الحزب، فراوك بترى، بأنه يتعين على أجهزة الأمن الألمانية «وقف تدفق الألمان من النمسا وغيرها، ولابد من استخدام السلاح إذا لزم الأمر».

ورغم مناشدة «ميركل» المواطنين فى خطاب ألقته عشية ليلة رأس السنة «عدم الانسياق وراء من تملأ صدورهم الكراهية»، فإنها لن تقوى على تجاهل الانتقادات الموجهة إليها، خاصة من الساسة، إذ صرح هورشت زيهوفر، رئيس الاتحاد الاجتماعى المسيحى فى بافاريا، بأنه سيلجأ إلى المحكمة الدستورية إن لم تغير المستشارة سياستها، وتفرض قيودًا على اللجوء، بحيث تستقبل ألمانيا سنوياً 200 ألف لاجئ فقط، واتفق معه معظم أعضاء الاتحاد، وحتى رئيس الحزب الديمقراطى الاشتراكى بالبرلمان، توماس أوبرمان، ممن اعتبروا أن ثمة حدوداً لابد من وضعها.

اقترب سباق الانتخابات، وصارت ميركل تتمنى لو كان لديها متسع من الوقت لإسكات الأصوات المعارضة لها داخل حكومتها، لاشك أنها حاولت فى البداية إيجاد حلول طويلة الأجل بتخصيص 3 مليارات يورور للاجئين فى مخيمات تركيا، بما يعينهم على تحسين أوضاعهم المعيشية، ويمنع السوريين من الهرب والرحيل خارج المخيمات، ولكن مساعيها لم تحقق الهدف المنشود واستمرت الأصوات المعارضة لها تتعالى، وتأييد حزب «البديل» فى تزايد، بل تحول الأمر، يناير الماضى، إلى لوبى يسعى لحلول فورية للأزمة الألمانية.

وفى يوم 28 يناير الماضى صرحت ميركل بأن طلبات اللجوء المقدمة من جانب مواطنى المغرب وتونس والجزائر ستقابل بالرفض حال عدم إثبات أنهم ضحايا الاضطهاد، وبعد يومين خرجت بتصريح آخر أكدت فيه أن معظم اللاجئين من سوريا والعراق يحملون تأشيرات مؤقتة، وأنه سيتوجب عليهم العودة مرة أخرى لبلادهم بمجرد انتهاء الحرب، ولم توضح ما إذا كان بإمكانهم تقديم طلبات إقامة دائمة حال مكوثهم بالبلاد أكثر من 3 أعوام أم لا؟! ولكنها التصريحات التى لم تجد مع الساسة الذين تشككوا فى مصداقيتها وإمكانية تحققها.

الواقع أن من تتطلع عيناه صوب دول غرب أوروبا عليه أن يعى جيداً أن موجة السخاء التى سادت عام 2015 آخذة فى الانحسار، وبالنسبة للاجئين فإن ألمانيا كانت آخر الدول التى يمكن التفكير فى أن تصبح ملجأً لهم، ولكنها الآن صارت حتى الدول الأكثر ثراء من بين كل الدول تصارع أزمة حيال استقبالهم. وفى ظل مساعى ميركل لتخفيف نبرة الانتقاد التى تستهدفها بفرض المزيد من القيود، يصبح مشهد اللاجئين وملاذهم أمراً ضبابياً، وتصبح الحقيقة الوحيدة الواضحة أنه حتى لو أوصدت الحدود فى وجوههم، فإنهم سيستمرون فى التدفق إلى البلاد.

نقلاً عن مجلة «نيوزويك» الأمريكية

ترجمة- أمانى عبدالغنى

------------------------
الخبر : ميرين جيدا يكتب: «الخيار الصعب» لأنجيلا ميركل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق