شاهد زور مهاود

0 تعليق 7 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ متى صارت الحياة بهذه القسوة؟ شاهد الزور الواقف أمام محكمة زنانيرى، والذى كان يمكن الحصول عليه بعشرة جنيهات تبجّح وأصبح يطالب بخمسمائة جنيه! من أين يأتى المتقاضون الغلابة بما يسد أفواه الشهود الجاهزين على الرصيف لخراب بيت أى أحد يشهدون ضده؟ فى الحقيقة هناك وجهتا نظر تختصان بشرح موقف كل من شاهد الزور والزبون. الزبون يريد شاهد الزور القديم الذى يقبل بسندوتش وكوب شاى وسيجارتين، وشاهد الزور يريد الزبون ذا اليد الفرطة الذى يدفع بسخاء ويكف عن الشكوى من غدر الزمان، فكلنا فى الهوا سوا.

لقد كانت الحياة فى السابق أكثر بساطة، وكان الشاهد من هؤلاء لا يعمل كل أيام الأسبوع، لكن يكتفى بثلاثة أيام موزعة على المحاكم المختلفة، وفى أيام الإجازة يصطحب أسرته إلى القناطر الخيرية، حيث يُشعل قطعة حشيش على الجوزة فى أحضان الخضرة على النيل والأولاد حوله، أو يجلس على «القهوة» مع أصدقائه الأوساخ يتبادلون حكى الآثام التى ارتكبوها خلال العمل، ويسخرون من الزوج الذى شهد أحدهم بأنه شاهده يضرب زوجته أكثر من مرة، أو يتندرون على الزوجة التى مرَّغوا شرفها فى التراب، بادعاء رؤيتها تصعد إلى شقة الشاب العازب فى المنزل المجاور. لقد فسد الزمان وضاقت المعايش وليس بوسع أحد أن يلوم شهود الزور إذا ما رفعوا الفيزيتة.. لقد رفع الجميع الأسعار، الطبيب والمحامى والجزار والبقال والحكومة.. فلماذا يظل الشاهد على تسعيرة زمان، ولماذا تظل النظرة إليه متدنية؟ إن الزبون من هؤلاء يطلبه، فيأتى به المحامى المجرم ويلقنه ما يقول، ثم يعيد ويزيد فى التلقين، حتى لا يُفتضح أمره أمام القاضى، وفى هذه الأثناء لا يكف الزبون عن النظر إليه باحتقار.. إنه يخدمهم ويشهد لصالحهم ويحتقرونه! والله إنك لو ساعدت كلباً لحفظ لك الجميل، أما هؤلاء المتقاضون الأبالسة فإنهم يدفعون للمحامى ما يطلب، ثم يأتون إلى شاهد النفى أو الإثبات المأجور ويبخسونه حقه ويفاصلون فى أجرته، ثم يدفعونها وهم يوشكون أن يدعوا عليه. لا ينسى أحد الشهود أن زبوناً قد نقده أجرته ذات يوم وهو يقول له: بالسم الهارى.. يومها صعد الدم إلى نافوخه، فضرب الزبون وكادت تحدث فضيحة لكليهما، فتصالحا والقلوب تغلى. ألا يمكن أن تقوم نقابة ترعى أحوال هؤلاء وتضمن لهم الحصول على الأجرة كاملة، خاصة أن بعض الزبائن يدفعون النصف، ثم يهربون بعد الشهادة؟! إن مأساوية موقف شهود الزور تكمن فى أنهم يرتزقون كلما زادت المظالم فى الحياة، وفى الوقت نفسه فإن زيادة المظالم تؤذيهم، لأنها تدفع بأعداد كبيرة إلى مزاحمتهم فى عملهم! فالعمال الذين تشردوا بعد إغلاق المصانع أصبحوا يأتون منذ الصباح للفوز بأى زبون، وسائقو التاكسى المحجوز عليهم انضموا إلى طالبى العمل على باب المحكمة، ومثلهم الكثير من المطلقات والأرامل الفقيرات، هذا غير النازحين من الريف وليس لديهم ما يفعلونه سوى تكدير الحياة ومزاحمة الشهود، وأسوأ ما فى هؤلاء الريفيين أنهم يورطون الزبون كما يدينون أنفسهم، وقد ينتهى الأمر بهم وبزبونهم إلى السجن!

العجيب أن الناس لم تعد تحلم بالعدل، لكن بوجود شاهد زور حرّيف ومهاود!.

------------------------
الخبر : شاهد زور مهاود .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق