عاجل

شفيق ناظم الغبرا يكتب: مأزق الدولة القطريّة وتناقض المشاريع العربيّة

0 تعليق 97 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية

كنا كعرب قبل سايكس بيكو موعودين من بريطانيا العظمى، من خلال مراسلات الشريف حسين، بدولة عربية ممتدة وموحّدة بعد سقوط العثمانيين، لكن الوعد لم يتحقّق وجرى بدلاً منه استعمارنا وتقسيم أقاليمنا العربية التي كانت خاضعة في شكل شبه موحّد للدولة العثمانية. ذلك تاريخ مضى، صارت له مائة عام يتطوّر ويتفاعل. الذي حصل في ذلك الزمان، أن محاولات استعمار تركيا من جانب بريطانيا والحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨، فشلت بفضل أتاتورك وسعى الأتراك إلى حماية استقلالهم، فبرزت تركيا الموحدة والمستقلة بعد نجاحها في حروب ومعارك ضد اليونان وضد القوات البريطانية والغربية في عشرينيات القرن العشرين. من جهة أخرى، لم ينجح استعمار إيران، فبقيت أيضاً دولة كبرى مترامية الأطراف، وإن كانت متأثرة في ذلك الزمن بالغرب وبريطانيا. العرب تحديداً (مع استثناءات محدودة كالمملكة العربية السعودية التي لم تُستعمَر) هم من سقطوا في الشباك: استعمار، تقسيم، وإذلال وطنى، وفوق ذلك كله احتلال دائم لأراض عربية منذ قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.

لكن بعد الحقبة الاستعمارية بين الحربين الأولى والثانية، وصولاً إلى خمسينيات القرن العشرين، ساد الاعتقاد بين كثر من العرب بأن الدولة العربية على جزء من الأمة الأوسع ستكون قادرة على صهر كل مواطن في كيان وطنى وعلم ونشيد، وأن الدولة العربية الحديثة في إمكانها أن تحافظ على استقلاليتها عن مناطق النفوذ والدول الكبرى. بل اعتقد كثر من العرب أن الدولة العربية الجديدة هي مقدّمة للوحدة.

لكن ما حصل كان العكس تماماً، فبسبب ضعف إمكانات الدولة العربية، وصغر حجمها الجغرافى، وكونها جزءاً من أمة أكبر، اضطرت لعقد تحالفات مع دول كبرى لحماية وجودها. وسعت الدولة العربية القطرية إلى الاعتماد على فئة من الناس (شريحة، طائفة، جماعة، فئة من عائلة، منطقة، إقليم)، بينما استثنت جزئياً أو كلياً فئات أخرى بهدف جعل مشروع الدولة مشروعاً قابلاً للاستمرار في ظل سياسة احتكار السلطة.

بعد مرور مائة عام على سايكس بيكو، وعقود طويلة على نشوء الدول العربية الحديثة واستقلالها، يقف العرب أمام تراجع طريقتهم ودولتهم القطرية وتفكّك مجتمعها إلى فئات وقبائل وطوائف وجماعات ومناطق. تلك الدولة العربية بوضعها الراهن غير قادرة على إنشاء برازيل واحدة، ولا هند واحدة ولا ربع صين أو ثلث كوريا، وهى دون تركيا وإيران بمراحل، بل مازالت الدولة العربية مهمومة بأمور تجاوزتها معظم شعوب العالم. مع الوقت، وفى معظم الحالات، أصبحنا كعرب في محطة انتظار بائسة ننتظر كارثة أو أعجوبة.

لو أخذنا مصر على سبيل المثل، فهى كانت دولة واحدة مع السودان ضمن الدولة العثمانية، ثم لفترات طويلة قبل أن تفصلهما بريطانيا التي احتلت مصر عام 1882. ومنذ استقلال مصر ومجىء عبدالناصر عام ١٩٥٢، لم تسعَ مصر إلى استعادة تلك الوحدة وذلك العمق، وهذا أضاع فرصة تاريخية لبناء دولة قوية ممتدة تتمتّع بقدرات في العمق الأفريقى كما العربى. ربما لو فعلت ذلك لكانت مكانتها حول مياه النيل مختلفة، ولكانت مصر في وحدة مع السودان قادرة على أن تكون شيئاً آخر.

ويسجّل حتى الآن، أن أكبر فشل للدولة العربية القطرية، هو غياب الحد الأدنى من مفاهيم التوازن بين قوى المجتمع، بما فيها أسس المشاركة والحريات والتعبير المفتوح والتداول السياسى، فقد أرهق الانشغال بالاحتكار السياسى وغض النظر المصاحب له عن انتشار الفساد، في ظل ضعف الحقوق والحريات، مشروع التنمية العربية. غياب التوازنات والحريات ساهم ليس فقط في تفتيت الشعب، بل في نزاعات بين النخب الحاكمة وجعل الصراع بينها وبين أجزاء مهمة من مجتمعاتها بلا إطار ونظام. لهذا، فعندما وقعت الثورات العربية اهتزت الدولة العربية.

ربما يمكننى أن أعزو موقف كثير من النخب العربية ضد الحريات والتعبير، إلى حالة من حالات التتلمذ على فكر مستمد من تاريخ طويل في اعتبار الحكم احتكاراً لفرد، هو فرعون أو خليفة في دولة عباسية أم أموية أو حتى إخشيدية وفاطمية، بل يمكن الجزم بأن نخب المستقبل ستكون مختلفة وستتعلّم من المرحلة الراهنة، فالعالم الأوروبى، على سبيل المثل، لم يكن سريعاً في استيعاب مكانة الحريات وحقوق الإنسان والثقافة المفتوحة في حماية الاستقرار والتنمية. بل كان هتلر في ألمانيا وموسولينى في إيطاليا آخر من حاولا العودة إلى الاستبداد في القارة الأوروبية. اعتقاد النخب العربية أنها وصلت إلى المعادلة النهائية: نحن أم التطرف؟، ولى الأمر أم خراب العمران، في ظل عدم الالتفات إلى ما هو بين التطرف والحكم، والذى يسبّب التطرف في الأساس، ساهم في تدمير البنيان العربى.

لم يكن غياب الحرية هو السبب الوحيد لاهتزاز الدولة العربية، بل ستكتشف الدول العربية أن كل دولة منها ستكون جزءاً من إقليم واسع يحمل ذات اللغة والتراث القديم والتاريخ المشترك الروحى والدينى والسياسى، وأن هذا سيكون جزءاً من العبء الإضافى، بخاصة أن الإقليم يمتلك كثيراً من الصفات المشتركة، فالنسيج الاجتماعى حمل معه الامتدادات العابرة للدول ذاتها. لهذا، سيشكل التشابه النسبى بين مجتمعات الدول العربية التي لديها حدود مع بعضها البعض، عنصر توتر وهشاشة في علاقة كل دولة عربية بالدولة العربية الأخرى التي تشبهها. فكل دولة لديها مشكلة حدود مع جارتها، وكل دولة ستخشى من حركات سياسية ناتجة من مجتمع الدولة الجارة ومفكّريها، إضافة إلى الخوف من مواطنين يتبنون مواقف الدولة الجارة. ستكتشف كل دولة عربية أن كتاباً في مصر مثل «معالم في الطريق»، أو مواجهة في سورية أو لبنان أو فلسطين، قادرة على أن تلهب حركات سياسية في طول العالم العربى وعرضه.

لهذا، فإن أحد أسباب اهتزاز الإقليم العربى والعالم الغربى عند بروز «داعش»، يتعلّق بقدرة هذا التنظيم على تغيير قواعد اللعبة الإقليمية بنسب أعلى بكثير من دمويتها، فسياسة النظام السورى والجماعات التي تهاجم مناطق «الدولة الإسلامية» في الجانب العراقى لا تقل دموية عن «داعش»، لكن مشكلة «داعش» في الأساس سياسية: فهو غيّر قواعد الحدود التي رسمها سايكس بيكو في العراق وسوريا، وهو بالتالى هدّد حدود دول أخرى وقتل أوروبيين وغربيين لا يجوز قتلهم، وفعل ذلك بأسلوب درامى الهدف منه جرّ الجميع إلى حرب مفتوحة.

من هنا ركاكة الوضع العربى. فالدولة القطرية تحتمى بالهروب إلى الأمام بمنع الحريات، حتى تلك التي لا يمكن منعها، ستدخل في حروب، ستتورط في الثورة المضادة، ستتعمق في النزاع الطائفى، ستستنزف ما تبقى من الوضع الإقليمى انطلاقاً من إمكان إنهاء ملف الإصلاح والحريات. تناقض السياسات العربية والخليجية تجاه كل وضع عربى يحيط بنا، ساهم في المشكلة في الوقت نفسه، فهذه السياسات أضاعت فرصاً كبيرة وأوصلت الوضع العربى إلى ما هو عليه الآن من حروب واستنزاف جديد.

العرب أمام خيارات صعبة، لكن التاريخ لا ينتهى، وهو لن ينهى الأمة العربية وطموحها لتبوؤ مكانة بين الأمم والشعوب. فسلسلة الحروب الراهنة في إمكانها أن تجرّنا نحو سلسلة أخرى من الحروب الأصعب، وكل حرب تنتج من أخطاء الزمن الذي سبقها. العرب في حاجة إلى إعادة نظر في طريقهم الراهن، في طريق دولهم وأنظمتهم السياسية بل ومجتمعاتهم. هم في حاجة ليس فقط إلى الإصلاح الذاتى، فهذا قد لا ينجح إذا ظلّ محصوراً في دولة عربية واحدة أو دولتين، بل إلى بلورة مشروع عربى أوسع للإصلاح والتنوير له قواعد جماهيرية وسياسية. محاولات التداخل العربى الراهنة لا تتجاوز التنسيق الأمنى والعسكرى المؤقت، وهذا نوع من التداخل الرسمى المعزول جماهيرياً يتواجه مع المعبّرين عن آرائهم والناقدين بل والإصلاحيين أكثر مما يتواجه مع حاملى السلاح والإرهابيين، وهو لهذا سيساهم في مزيد من الاستنزاف العربى والتآكل. لابد من مشروع عربى يتبنى أطروحة العدالة الاجتماعية والتنوع والحريات والأنسنة والديمقراطية ومبادئ التداخل العربى- العربى. فلا نهضة بلا أنسنة وحريات وحقوق، ولا مستقبل بلا تداخل عربى- عربى ينهى التشرذم الناتج من الاحتكار السياسى والاستئثار الهرمى.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

------------------------
الخبر : شفيق ناظم الغبرا يكتب: مأزق الدولة القطريّة وتناقض المشاريع العربيّة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق