مارلين سلوم تكتب .. ذكرى أم كلثوم و«ساقية البيزنس»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يكفى أن تقول «لقاء السحاب»، كى تتذكر فوراً الموسيقار محمد عبدالوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم. اللقب الذى أُطلق على ذلك اللقاء الأول والشهير عام 1964 بين قطبى الغناء العربى، وأثمر أغنية «إنت عمرى» كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل.

يطيب الحديث عن ذلك اللقاء، اليوم، مع مرور ذكرى رحيل «الست» فى 3 فبراير/ شباط 1975، وقد تم إصدار أسطوانة خاصة بهذه المناسبة توثّق أول تسجيلات أغنية «إنت عمرى» التى جمعت بين العبقريين للمرة الأولى، أفرجت عنها «صوت القاهرة» للصوتيات والمرئيات لتسلمها إلى مركز توثيق التراث الحضارى والطبيعى التابع لمكتبة الإسكندرية. تسجيل نادر ليس لأنه يؤرخ للقاء الأول بين الكوكبين، بل لأنه يضم التسجيل الأول للأغنية فى الاستوديو، وتسجيلا للحفلة الأولى التى قدمت فيها أم كلثوم «إنت عمرى».

حين تقول «لقاء السحاب»، تشعر وكأنك تتحدث عن زمن بعيد جداً مضى ولن يعود، لأن المسافة بين غناء الأمس وغناء اليوم هى مسافة بعدنا عن السحاب، وعن كل النجوم والكواكب. ربما يمكننا أن نواسى أنفسنا بوجود أصوات جميلة فى العالم العربى، وولادة المواهب التى تبشر بالخير، لكن أين نحن من كلمات «إنت عمرى»؟ وأين الموسيقى من ألحان عبدالوهاب؟ وأين عظَمَة وفخامة الغناء على المسرح بأمسيات طربية؟ وأين الاحترام فى الأداء؟ وأين وقفة الفنان بشموخ أمام الجمهور لا بقفز ورقص وصراخ..؟ أين نحن من الطرب وقد انتشر كل أنواع «التنشيز» على أسطوانات وفى التليفزيون والسينما والمهرجانات، بل هناك مَن تُصنع من أجلهم وعلى مقاسهم الأفلام الطويلة؟!

حاول أن تعود إلى أغنية «إنت عمرى» واسمعها، ستشعر براحة كبيرة وبأنها تُخرج منك كل طاقة سلبية، وتسحبك من عالم الضغوط والإرهاق إلى عالم الفن والجمال. أغنية تعالج روحك من همومها، وتُريح أذنيك من التشويش الذى يرافقهما طوال النهار. تهذب السمع وتنقى القاموس الذى يرافق يومياتك من الشوائب واللغة الركيكة، وأحياناً من «سوقية الألفاظ» التى تتراكم وتأتيك، خصوصاً عبر أغانٍ ينسبونها إلى عالم الفن الحديث.

اسمع الإيقاع السريع كيف يبطئ حركته، ثم يعلو كبحر ترتفع أمواجه، ثم تتراجع. أنصت إلى الكلمات، ما أجملها، خذ مثلاً: «صالحت بيك أيامى، سامحت بيك الزمن.. نسِّتنى بيك آلامى، ونسيت معاك الشجن..».

إذا أردت الحق، علينا أن نطلق على أغانى ذلك الزمن، بكل ما فيها من طرب وأغنيات خفيفة، والتى كانوا يسمونها «طقطوقة»: «أغانى السحاب»، مقارنة بتلك التى «نعانى منها» حالياً. نعم، هناك معاناة فى الوسط الفنى قادت الأغنية العربية إلى أدنى مستويات يمكن أن يصل إليها الفن، بما فى ذلك التأليف الغنائى سواء من ناحية الكلمات أو من ناحية الموسيقى.

زالت الحدود الفاصلة بين «الطقطوقة» والأغنية الطربية، فطقطوقة زمان كانت جميلة، والأغنية الخفيفة كانت بمستوى «مخاصمنى بقاله مدة» لـ«شادية»، كلمات عمر بطيشة وألحان محمد الموجى، والأغنية الظريفة «أكلك منين يا بطة» لـ«صباح»، من كلمات حسين السيد وألحان فريد الأطرش. إذاً ماذا نسمى ما نسمعه حالياً، والذى لم يعد طرباً ولا خفة؟ ويطلقون على كل مَن حمل ميكروفونا وترنح على المسرح «مُطرباً»!

يحق لنا أن نتحسر على زمن «الست» وزمن كبار الفن الأصيل والرقى فى التعامل بين المغنى وأعضاء الفرقة الموسيقية، وبينه وبين الملحن والمؤلف، وبين هذه المجموعة كاملة والجمهور. وعلينا أن نعترف بأننا نعيش فى زمن الإحباط الفنى والانحدار السريع. اسمع أم كلثوم كيف كانت تعيش حالة الأغنية وتجسد معانيها وكلماتها بصوتها وليس فقط باللفظ، أسلوب خاص ميزها عن غيرها من الفنانين، وإذا سمعت التسجيل الأولى للأغنية بصوت عبدالوهاب، ثم سمعت أم كلثوم فى الحفل، تلاحظ الفرق بين الأداء الطربى وفق الأصول والذى أجاده عبدالوهاب، والأداء الكلى الذى يدخل فيه الفنان بروحه وكيانه إلى عمق الأغنية، فيطرب معها قبل أن يُطرب جمهوره، وكأنه يؤدى دور البطل فى الأغنية، وتسمع أنين الروح وفرحتها، على طريقة «كوكب الشرق».

كثيرة أصبحت وقفات «المغنين» على المسرح، وتكاثرت المهرجانات المفتعلة من أجل خلق مناسبة تجارية يطلون من خلالها، وكل مهرجان يتحول إلى ألبوم.. ثم تدور ساقية «البيزنس» الغنائى، ويصبح الكل مشهوراً والكل يغنى، وأنت أسير «التيت فى الغويط»، ومهرجان «هفحت فحت»، وغيرهما من «مصائب فن اليوم».

نقلا عن جريدة «الخليج»

------------------------
الخبر : مارلين سلوم تكتب .. ذكرى أم كلثوم و«ساقية البيزنس» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق