ذوو الأربع

0 تعليق 21 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

وصلتنى من الأستاذ هانى عبد الجليل هذه القصة الرمزية الرائعة. وأجمل ما فيها أنه ترك الرمز يتحدث بحرية، ليخبرنا بطريقة غير مباشرة عن المغزى الذى يريده. والمغزى غير بعيد عن أحوال مصر، بل الإنسان عموما. وذلك هو جمال الفن وروعته. أترككم مع القصة.

■ ■ ■

كان شراء الأحذية عبئا على أهل القرية، حيث إنهم لا يشترون زوجا واحدا من الأحذية بل اثنين. زوجا للقدمين وزوجا لليدين. فأهل القرية كانوا يمشون على أربع. منذ مائتى عام كان عمدة القرية- كالعادة- طاغية ظالما، يجبر أهل القرية على الانحناء عند الوقوف بين يديه أو مروره عليهم، أو حتى عندما يمرون من أمام داره أو أملاكه الزراعة التى كانت كل أراضى القرية تقريبا. إلى جانب انحنائهم طوال اليوم على الأرض للزرع والحصد، فانحنت مع الوقت الجينات الوراثية وتوارثتها الأجيال القادمة.

■ ■ ■

ظهرت هذه الحالة على عدد من الأطفال، حيث يبدأون الحبو فى السنة الأولى ثم يظلون على هذا الوضع بلا قامة مرفوعة. كبرت هذه الفئة المحنية وتزوجوا، ثم أنجبوا أطفالا مثلهم يمشون على أربع، وهكذا حتى اختفت الرؤوس العالية وأصبح الكل يسير على أربع تضامنا مع حيوانات القرية. مع الوقت بدأ كل من يشكو ضيق اليد- وهم كثير- يعرضون أنفسهم كركائب عوضا عن الحمير، فهم- هكذا يظنون- أكثر عقلا وأسرع فى تنفيذ الأوامر.

■ ■ ■

عاشت القرية فى سلام، يعتقدون أنهم بهذا الوضع على الطبيعة البشرية، فلم يسبق لهم أن رأوا أحدا ذا قامة مرفوعة، فليس هناك اتصالات أو وسائل معرفة أو جرائد، فالقرية نائية فى المكان، بعيدة فى الزمان، حيث كانت المعرفة معدومة.

■ ■ ■

بعد شهور من ميلاد أحد الأطفال لأحد الفلاحين، بدأ يحبو، وكان هذا آخر آمال الآباء فى أبنائهم أو آخر معرفتهم للتطور. وفى ذات نهار قائظ وقت القيلولة، حيث السكون التام وكل دواب الأرض تأخذ قسطا من الراحة، فلا أحد فى الشوارع سوى الشمس التى تفرض سيطرتها التامة على السماء والأرض، وجد الفلاح ابنه يقف على قدميه ويتحرك ببطء فى اتجاهه وهو يضحك. بسمل الفلاح وحوقل وأخذ يفرك فى عينيه مستعيذا من الشيطان. الولد يتقدم فى هدوء فاردا ذراعيه والأب يتراجع فى خوف.

■ ■ ■

جاءت جموع القرية لترى هذا المسخ الذى يمشى على قدمين، ويقدمون العزاء للأب فى مصيبته. أخذ الأب ابنه إلى حلاق الصحة، الذى طمأن الأب بإمكانية العلاج، أعطاه بعض المراهم التى تساعد على تليين العمود الفقرى ليعود لوضعه الطبيعى، وأوصاه ببعض التمارين التى يجب أن يمارسها الولد المصاب كل يوم.

خصص الأب ساعتين من يومه يقوم فيهما بتدريب ابنه على الانحناء والمشى على أربع ككل الناس. فقد كان يربط اليدين مع القدمين حتى يتقوس الظهر ويعود إلى حالته الأولى.

مع مرور الوقت انحنت الهامة مرة ثانية وأصبح الولد يمشى على أربع. وعندما كان الولد أحيانا يقوم ويمشى على قدميه، يأتى الأب بالعصا ويضربه، فينحنى الولد مرة أخرى. وهكذا تم شفاء الولد تمامًا، حيث تقوس الظهر كليا واقتربت الرأس من الأرض وأخذ يمشى على أربع ككل أهل القرية.

■ ■ ■

ومنذ ذلك الوقت راح الأب ينظر فى حبور إلى ابنه المحنى، شاكرا الله على شفائه وعودته إلى وضعه الطبيعى، ويستقبل جموع المهنئين أن ابنه أصبح مثلهم، من ذوى الأربع.

------------------------
الخبر : ذوو الأربع .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق