عاجل

اغتيـال الـرموز

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

حاولت خلال الأيام القليلة الماضية الدفاع عن الدكتور إسماعيل سراج الدين، الذى لا أعرفه، ضمن الحملة الواسعة فى هذا الشأن، إلا أننى وجدت من يقول إن القضية المتهم فيها الرجل تتعلق بمال عام، أو بإهدار أموال الدولة، أو بإهدار نحو ٢٠ مليون جنيه، بمعنى أن القضية بين يدى العدالة، لا يجوز الحديث بشأنها من جهة، ومن جهة أخرى فإنها ليست قضية رأى أو تعبير أو موقف سياسى، أو أى شىء من هذا القبيل حتى يمكن الانفعال بشأنها أو الانحياز لها.

بالتأكيد هى وجهة نظر منطقية ومحترمة، لا شك أبداً فى ذلك، على الرغم من كل الشهادات التى تؤكد أن الرجل كان نموذجاً فى الإخلاص لعمله، أو أنه كان نظيف اليد، عفيف اللسان، إلى غير ذلك من شهادات أصدقائه والمقربين منه، إلا أننا الآن أمام أوراق محاسبية، أعى أنها تتوقف أمام الخمسة قروش والربع جنيه والجنيه، ما بالنا إذا تعلق الأمر بملايين الجنيهات، وهو ما يجعلنا نؤكد أن القضية خرجت من نطاق العواطف والعلاقات الشخصية إلى نطاق آخر يتعلق بقوانين ولوائح، وإلا فنحن نكيل بمكاييل عديدة.

إلا أن أهم ما توقفت أمامه بعد إثارة هذه القضية تحديداً هو ذلك السؤال الأهم والأعم، وهو: أما آن الأوان لإصدار ميثاق شرف إعلامى وقضائى فى آن واحد، يمنع تناول أو تداول أسماء الرموز بكل أنواعها الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، حال وجود أى اتهام من أى نوع، إلا بعد صدور الحكم النهائى فى القضية المنظورة؟!، قد يكون ذلك الميثاق المشار إليه بمثابة قانون، قد يكون بمثابة ميثاق اجتماعى، قد يكون قراراً جمهورياً، قد يكون، وقد يكون، إلا أنه فى نهاية الأمر يحقق الهدف.

سوف يثار السؤال الجديد وهو: لماذا؟، أو سؤال أشمل وهو: ولماذا الرموز تحديداً، أعتقد أن الإجابة أصبحت واضحة جلية من مجمل ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة، فيما بعد أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١، فلم يعد هناك فى بر المحروسة من لم يتم تشويهه، حتى وإن لم يتم توجيه اتهامات رسمية بشأنه، أو حتى وإن لم يُقدم للمحاكمة، ذلك أن هناك من القضايا أو الملفات الكثير أيضاً قيد التأجيل لأجل مسمى، أو الإخفاء لأجل غير مسمى، بما يجعل من الجميع سواسية فى انتظار الإشارة بالتشويه.

يجب ألا ننسى أن معظم رموز نظام ما قبل ٢٥ يناير تم التحقيق معهم، أو القبض عليهم، أو اعتقالهم، أو حبسهم سنوات وصل بعضها إلى خمس سنوات، وفى الوقت نفسه حصل معظمهم على أحكام نهائية بالبراءة، هناك أيضاً من بين رجال السياسة، كما رجال الأعمال، كما الصحفيين وغيرهم، من تعرضوا لمثل هذه المواقف كثيراً، وهى المواقف التى سددت فيها أُسر وعائلات عديدة ضريبة فادحة من الصحة والمال والسمعة وكل شىء تقريباً، ذلك أن أحكام البراءة فى معظم الأحوال لا تمحو ذلك العار الذى لحق بهذه الشخصية أو تلك، أو ربما بالعائلة بأكملها.

بالفعل، وكأنه مخطط ممنهج، لم يعد هناك فى مصر رموز لم تشملهم الشبهات، أو على الأقل فوق مستوى الشبهات، سواء تعلق الأمر برجال السياسة، أو المال والأعمال، أو فى مجالات الصحافة، أو حتى القضاء والشرطة، أيضاً فى صفوف الأطباء والأكاديميين، لم يعد هناك حتى شبه إجماع على النزاهة بشأن شخص بعينه أو شخصيات محددة، نتيجة حملة التشويه هذه، التى كانت تستند فى أحيان كثيرة إلى بلاغ من مجهول أو موتور أو مكلف من جهة ما، تم استغلال أشخاص بعينهم أيضاً للقيام بهذه المهام القذرة، استمروا فيها واستمرأوها رغم أنهم طوال الوقت كانوا وما زالوا معلومين للكافة.

على الرغم من ذلك، نستطيع القول وبكل ثقة، إن شرفاء الوطن هم الأغلبية، سواء تعلق الأمر بالرموز أو بالعامة، هذه حقيقة مؤكدة، وهى أن معظم المصريين يعنيهم الحلال والحرام، معظم المصريين تعنيهم النزاهة والشرف، تعنيهم سمعتهم ومستقبلهم، إلا أنه بدا واضحاً أن هناك من يستفيد من هذه الحالة التى دمرت المجتمع أيما تدمير، أصبح مجتمعاً فاقداً الثقة حتى فى نفسه، إذا تطرق الأمر إلى الاستغناء عن وزير أو حتى خفير، كان السؤال المطروح فوراً هو: ومن البديل؟، هناك صعوبة فى اختيار البديل، على الرغم من أننا نتحدث عن شعب يزيد قوامه الآن على المائة مليون نسمة!!.

هذه هى القضية أيها السادة، فى لحظة ما نسينا أو تناسينا أننا بناة حضارة أوطان عديدة حولنا، نحن لا نتحدث عن الأزمنة الغابرة، ما قبل خمسة آلاف عام وسبعة آلاف عام وما شابه ذلك، نحن نتحدث عن الأجيال الحالية، من معلمين ومهندسين وأطباء وفنيين، وفى كل المجالات تقريباً، بما يؤكد أن مصر ولَّادة لا تنضب أبداً، إلا أنه مخطط فقدان الثقة بالنفس، ذلك المخطط الذى جعلنا ننظر إلى الفاشل فى موقعه على أنه الأوحد، لا بديل له، أو أن الأوضاع بدونه سوف تكون قاتمة، على الرغم من عدم صحة ذلك بأى حال.

هى إذن حالة عدم الثقة التى يجب أن نتخلص منها، حتى لو كان هناك من الرموز من أساءوا بالفعل إلى أقرانهم، بل أساءوا إلى وطنهم، وبالتالى استحق ذووهم الإساءة، هؤلاء لا يجب أبدا أن يكونوا عنوانا للحالة المصرية، حتى لا يستغلها الفاشلون فى استمرار الفشل، وبالتالى استمرار اغتيال الرموز بطرق ووسائل عديدة.

------------------------
الخبر : اغتيـال الـرموز .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق