عاجل

رِدّة سياسية وتهرب من الديمقراطية

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى 6 ديسمبر 2016 هاتفنى سياسى عجوز، كان له دور كبير فى صناعة الدستور الحالى، وطلب أن نلتقى. ذهبت إليه فوجدته كاسف البال، وفى عينيه حزن دفين، وقال لى بحروف تقطر بالمرارة: لدى معلومات مؤكدة عن اتجاه السلطة إلى تعديل الدستور لزيادة مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات.

وعرفت أنه قدم للتو من لقاء السيد عمرو موسى، ووجده غاضبا من هذه الأخبار، لاسيما أن الحبر الذى كتب به الدستور لم يكن قد جف بعد، وكان الرجل قد بذل مجهودا مضنيا كى يدير الخلافات والاختلافات بين أعضاء اللجنة التأسيسية حتى فاجأ الجميع بأن الدستور يخرج إلى النور بينما كانت الصحف تتحدث بإفراط عن اقتراب الجمعية التأسيسية للدستور من الانهيار، عبر أخبار تزعم أن هناك صراعا وشقاقا وتلاسنا وتمترسا خلف المواقف ووصولا إلى حافة الفشل الذريع.

أيامها قال لى عضو فى اللجنة التأسيسية: يبدو أن الكثير من وسائل الإعلام موجهة لتفجير الجمعية التأسيسية من الداخل.

وتعجبت من مثل هذا التفكير، وقلت له: من يفعل هذا لا شك أنه يعمل فى صالح جماعة الإخوان، التى لا تريد لهذا الدستور أن يخرج إلى النور، لأن معنى خروجه هو انطواء عهد حكمها، وقتل أملها فى استعادة ما راح منها. ابتسم وقال: يبدو أن هناك من يخاطر بمستقبل البلد فى سبيل ترتيب مستقبله هو.

أدركت معنى ما سمعته، وأصبحت أقرب إلى تأويل سليم له بعد أن بدأ الإعلام الموجه من قبل السلطة يهاجم الدستور الجديد بعد إقراره، ويتحدث عن تقليص صلاحيات الرئيس لحساب البرلمان والحكومة، ويريد إلغاء مواد بعينها حتى يحتفظ النظام المصرى

بـ «الرئاسية» التى تعنى وضع كل شىء فى يد شخص واحد هو رئيس الجمهورية. وبعدها تم تجنيب عمرو موسى، رغم أنه بدا الأقرب إلى السيسى وهو على أبواب الترشيح، وكان يقابله ويتحدث عنه أو باسمه على أقل تقدير. فكفت الرئاسة عن دعوة موسى إلى المناسبات الرسمية، ودخل الرجل فى بيات سياسى طويل، مؤثرا السلامة، بل قيل إن هناك من طلب منه الابتعاد، لأن المرحلة المقبلة لا تتحمل إلا وجود شخص واحد فى الواجهة.

كان من الصعب تعديل الدستور فى هذا الوقت المبكر، بينما كان صوت دبيب الراقصين أمام اللجان لا يزال يرن فى الآذان، والحبر الفسفورى لا يزال طازجا تحت الأظافر، ولهذا كان لابد من اتباع بديل آخر، وهو صناعة برلمان لا يمارس صلاحياته، والإتيان برئيس حكومة يرضى بما رسم له، وما حدد له، ولا يطلب غير ما تضعه الرئاسة على مكتبه، ويتحول بمرور الوقت إلى مجرد سكرتير للرئيس.

ثم عاد الكلام عن التعديل فى ديسمبر الماضى فسارعت إلى كتابة هذا فى جزء من مقال نشر بـ «المصرى اليوم» يوم 8 ديسمبر الماضى قلت فيه نصا: «رغم أن السلطة الحالية خرجت على الدستور مرات عديدة، يبدو أنها غير مكتفية بهذا، ولن تتنازل عن تحقيق غرضها الذى لمحت إليه فى وقت سابق بتعديل الدستور على النحو الذى يريحها تماما حتى من نصوص، هى نفسها جعلتها حبرا على ورق. فقد عرفت من مصادر (ذات صلة) أن هناك اتصالات تجرى على نطاق واسع بقيادات عمالية وشبابية لطرح هذه المسألة فى قابل الأيام، وببعض الإعلاميين المحسوبين على أهل الحكم لتهيئة الرأى العام لها. وسيتحدث هؤلاء عن مواد عديدة يجب تعديلها، دون الكلام عن مدة رئيس الجمهورية حتى لا تثار حفيظة الناس، لكن مدة الرئاسة هى الهدف الأول لهذه التعديلات إن تمت، وينسى هؤلاء أن إعطاء الدستور الحق فى تعديله استثنى من هذا «مدة الرئاسة» و«مواد الحريات العامة إلا لزيادتها». لكن منذ متى كان هؤلاء يقفون عند نص صريح، ومعهم من يقلبون الباطل حقا، والحق باطلا؟. ومع هذا أقول لهم هيهات أن تلعبوا هذه اللعبة مع شعب يعدّ الأيام لتغيير سلمى للحاكم وليست المطالبة بتأبيده فى الحكم. ولنا عودة مفصلة للموضوع حين تتكشف الأمور أكثر.

فى تلك الأيام تعالت الأصوات الرافضة بمن فيها شخصيات محسوبة على تأييد السيسى، وقالوا: «ليس وقته». لكن كرت الأسابيع ومرت وجاء الوقت على ما يبدو، فالانتخابات الرئاسية اقتربت، ومن يحدد ما إذا كان هذا وقته أم لا هو مصلحة السلطة، وليس ما يقوله تابعوها أو يتمنونه. ولهذا عادت الأصوات تصرخ: «الدستور ليس قرآنا»، وبعد أن كان يقال قبل شهور إن التعديلات لا تقصد «مدة الرئاسة» وكان هذا تحايلا وكسبا للوقت، صار الكلام الآن صريحا «إنها مدة الرئاسة»، بل أصبح أكثر وضوحا: «ليس هناك ما يمنع أن يستفيد الرئيس من التعديل فورا وبالتالى تمد الفترة الرئاسية الحالية إلى ست سنوات»، وهذا معناه تأجيل انتخابات الرئاسة، لتجرى 2020 بدلا من 2018، وعندها قد يفتر حماس بعض الراغبين فى المنافسة وعلى رأسهم الفريق أحمد شفيق، الذى يراقب وغيره ممن قد يدخلون سباق الرئاسة تراجع شعبية الرئيس السيسى، وينظر إليه الأخير بأنه أبرز المنافسين له، لاسيما بعد التسريبات التى بينت أنه كان الفائز فى انتخابات 2014 وتم استبعاده لحسابات سياسية معقدة وقتها.

إن ما يتردد حاليا هو وجود مخاوف من انتخابات الرئاسة، لأن الأجواء اختلفت تماما عما كانت عليه فى 2014، سواء على مستوى فرص السيسى أو حتى ضمان مستوى من المشاركة الشعبية لا يجعل الشرعية ضعيفة أو مجروحة أو على الحافة.

------------------------
الخبر : رِدّة سياسية وتهرب من الديمقراطية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق