عاجل

إرهاب الإرهاب.. بين العاطفة والعقل

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب: عادل زكى

عندما يتعرض أى منا لمشاجرة أو لموقف نفسى مفاجئ أوعنيف، فرد فعلنا الطبيعى يتلخص فى عبارة قصيرة «قاتل أو اهرب»، أو كما تقال بالإنجليزية (fight or flight)، فأبسط مثال لموقف مفاجئ هو: إذا دخلت حجرة طفلك الصغير وفوجئت به مثلا يدخن «سيجارة»، فردة فعلك قد تتراوح بين كلمات نصح هينة إلى عبارات هجومية قد تتطور إلى السباب أو أخيراً إلى إيذائه بدنيا، وموقفك هنا هو نوع من القتال، ولكنك قد تفعل عكس هذا تماما، فمفاجأة ما حدث قد تسكتك ويكون رد فعلك هو أن تتجاهل ما رأيته وتنسحب من أمام باب غرفته كأنك لم تلحظه ولم تلاحظ رائحة الدخان. فرد فعلك أصبح الهروب وتأجيل التعامل مع ما حدث.

ومنطق «قاتل أو اهرب» هو تصرف طبيعى فى كلا الاتجاهين، ويعتبر أى منهما رد فعل سريعا يحركه الكثير من العاطفة وبعض من العقل والتفكير. وتفاعلك مع مفاجأة الأحداث لا يكون أحادى الاتجاه فى أغلب الأحوال، فتتداخل كل من المواجهة والمراوغة بدرجات مختلفة، وذلك حسب تطور الأحداث وبدء تلاشى عنصر المفاجأة.

ولكننا بعد ذلك قد تمضى بنا الأيام والأسابيع أو حتى السنون ولا تخلو عقولنا من سؤال يتكرر ويبدأ بـ«لماذا؟»، لماذا لم أقل «هذا أو ذاك»؟ أو لماذا انفعلت وقلت مثل هذا الكلام؟ أو فرضا، لماذا تهورت واستخدمت سلاحا!!؟ وأخيرا لماذا تجاهلت ما حدث وراوغت وهربت من الاشتباك والقتال؟

وكلمة «لماذا؟» التى قد تؤرقنا لشهور وسنوات هى حكم العقل المتأنى على مجريات الأحداث الماضية، والذى يجهزنا فى المستقبل للتصرف السريع فى مثل هذه الحوادث والمفاجآت، وذلك حتى لا تطغى العاطفة على العقل فى تصرف يضخم لاحقا الشعور بالأسف أو «جلد النفس» وذلك من كثرة تكرار كلمة «لماذا؟».

والمقالة التالية كتبتها من حوالى سنة، وكنت طرفا فى أحداثها فأرقنى تكرار كلمة «لماذا؟» بصور متعددة من وقتها وحتى الآن!

■ ■ ■

فى الساعة الرابعة فجرا استيقظت مذعورا على دوى مرتفع لدفعات من طلقات الرصاص، وبدا الصوت كأنه يأتى من خارج شباك غرفتى. وصاحت زوجتى بانفعال لا تفتح الشباك، ستصيبك إحدى الطلقات. ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى ارتفع رنين التليفون على صوت بواب العمارة وهو يصرخ بكلمات هستيرية متقطعة «إلحق يا دكتور.. عربيت ابنتك اتكسرت.. العساكر اتقتلوا.. مش عارف أعمل إيه.. إنزل.. إنزل الله يخليك». وفى أقل من دقيقة كنت أقف أمام مدخل العمارة وفوجئت ببركة من الدماء بين السيارة وسلالم المنزل، وما لا يقل عن ثلاثين شخصا فى مجموعات صغيرة تتداخل كلماتهم وصياحهم عما حدث. وحاولت أن أفهم ماذا حدث من أقوالهم المتداخلة:

- الدنيا كانت شديدة البرودة، والرقيب أبوعيشة والأمين عبدالمنعم كانا جالسين متلاصقين فى الكشك المواجه للبنك.. شاب صغير طوله حوالى 160 سم، نزل من «موتوسيكل»، وذهب إلى الكشك وهات يا ضرب نار.

- شكله كان مستمتع بما يفعله.. 4-5 رصاصات ثم مجموعة أخرى.. حوالى خمس مرات.

- البواب: أبوعيشة «انطخ» رصاصتين وهو فى الكشك.. لكن المسكين قام وجرى إلى غرفتى تجاه مدخل العمارة.. لكن الحيوان حصله، وهات يا ضرب نار.. انظر يا «بيه» إلى الرصاصات فى واجهة العمارة و4 طلقات فى سيارتنا.

- حضرت الإسعاف لكن واحد منهما كان ميتا والثانى لا يزال يتأوه.

- وكان أحد المتواجدين يوجه حديثه بصوت مرتفع لأحد أفراد الأمن بالبنك: «وأنت يا عم «الصاوى»، طول بعرض وشايل مسدس.. ماذا فعلت.. طبعا أول من جرى».

فرد عليه بانفعال: «أيوه أنا سمعت ضرب النار وأخرجت رأسى من باب البنك، ولكن أنا فعلا جريت للداخل وأمنت مدخل البنك وأنا مختفى خلف السلم.. أنا حارس داخل البنك وليس للشارع أمامه.. مين هينفعنى إذا اتقتلت أو قتلت قتيل خارج البنك».

- مش عاوز أشوف أى مدنى فى موقع الحادث.. إنت يا أستاذ..أه..الراجل الكبير الأصلع هناك.. لماذا تقف بجانب الدم فى موقع الجريمة.. اتحرك من هنا لو سمحت!!

وعندما بدأت أستدير إلى مدخل العمارة ظهر من بين حشود سيارات الشرطة أحد كبار ضباطها بلباس مدنى وهو ينادى تجاهى: «دكتور عادل.. انتظر».. وتعرفت عليه فى الحال، فكنت أعالج بعض أقاربه وأعتبره من أصدقائى.

- الوضع آمن الآن.. يمكنك العودة لمنزلك.. واحد منهما مات فى الحال والثانى مصاب بأربع طلقات فى البطن والحوض، وحالته حرجة (توفى بعد ذلك).. أرجو ألا تحرك السيارة ثلاثة إلى أربعة أيام من موقع الجريمة.. وأنا آسف لما حدث للسيارة.

ووجدتنى أقول له بانفعال: ما حدث شىء سخيف جدا، أى أموال يمكن تعويضها ولكننا لا يمكن أن نعوض حياة إنسان. فقال: والله يا دكتور أنا لم أكمل (ساعتين نوم) متواصلتين فى الـ 48 ساعة الماضية.. مصر ابتليت بالإرهاب.. شاب ذهب ليقتل ولا يعرف من قتله.. لمجرد أنه يعمل شرطى حراسة، فهذا الإرهابى لا يستحق رحمة ولا أى تبرير لتصرفه. فقلت له باقتضاب: «معك حق.. لا ينفع مع الإرهاب إلا إرهاب الإرهاب».

ورفعت يدى محييا: «شكرا.. وحاول أن تنام 5-6 ساعات متواصلة من أجل صحتك».

«لا ينفع مع الإرهاب إلا إرهاب الإرهاب»، أخذت أردد هذه الجملة لأكثر من مرة وأنا فى المصعد فى طريقى إلى منزلى، وفى الأيام القليلة اللاحقة لهذا الحادث. من أين جئت بهذه الجملة «لا ينفع مع الإرهاب إلا إرهاب الإرهاب».

وتذكرت قصتين متعارضتين، إحداهما من التاريخ عن «دولة الحشاشين»، والثانية عن نقاش دار مع بعض الزملاء الأمريكان عن الرأى القائل بوجوب إلغاء عقوبة الإعدام عن المتهم بجريمة القتل.

دولة الحشاشين

فى القرن الحادى عشر الميلادى انفصلت عن دولة الفاطميين طائفة لها مبادئ دينية متشددة (الإسماعيلية النزارية)، وأطلقت على نفسها دولة الحشاشين. ولم يعتبر هذا اللقب غير لائق فى هذا الوقت لشيوع وعدم تجريم تعاطى الحشيش. ولأن الطائفة الجديدة كانت على عداء شديد مع الخلافة العباسية والفاطمية والأيوبيين بالإضافة إلى الصليبيين، مما هدد بفنائها، فكان الحل الأمثل هو الاعتماد على الاغتيالات التى يقوم بها «فدائيون» لا يأبهون بالموت فى سبيل تحقيق أهدافهم. وتمكنوا من اغتيال العديد من الأمراء والوزراء فى ذلك الوقت.

وكلمة Assassin بالإنجليزية تعنى «قاتل أو إرهابى»، وأصلها كلمة «حشاش». ولكن كيف تقنع شابا فى مقتبل العمر أن يصبح إرهابيا وقاتلا بدون أى تفكير أو عقلانية؟. هذا ما رواه الرحالة الإيطالى ماركوبولو فى قصته المعروفة بـ«أسطورة الفردوس» التى نقرأ فيها عن وصفه لقلعة مشهورة كان يطلق عليها «قلعة الموت» ما يلى: كانت فيها حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى، حتى يوهم شيخ الجبل أتباعه أن تلك الحديقة هي الجنة، وقد كان ممنوعاً على أىّ فرد أن يدخلها، وكان دخولها مقصوراً فقط على من تقرّر أنهم سينضمون لجماعة الحشاشين. كان شيخ الجبل يُدخِلهم القلعة فى مجموعات، ثم يُشرِبهم مخدّر الحشيش، ثم يتركهم نياماً، ثم بعد ذلك كان يأمر بأن يُحملوا ويوضعوا فى الحديقة، وعندما يستيقظون فإنهم سوف يعتقدون أنهم قد ذهبوا إلى الجنة، وبعدما يُشبعون شهواتهم من المباهج كان يتم تخديرهم مرة أخرى، ثم يخرجون من الحدائق ويتم إرسالهم عند شيخ الجبل، فيركعون أمامه، ثم يسألهم من أين أتوا، فيردون: «من الجنة»، بعدها يرسلهم الشيخ ليغتالوا الأشخاص المطلوبين؛ ويعدهم أنهم إذا نجحوا فى مهامهم فإنه سوف يُعيدهم إلى الجنة مرة أخرى، وإذا قُتلوا أثناء تأدية مهامهم فسوف تأتي إليهم ملائكة تأخذهم إلى الجنة!» (المرجع: Wikipedia).

ولك أن تتخيل أن هذه القصة مع بعض من تفاصيل وأدوات الحوار الحديثة يمكن أن تكون صورة كربونية لما يبثه بعض مدعى الدين فى عقول شباب شبه مخدرين وذلك فى وقتنا الحاضر.

ولكن من قضى على إرهاب دولة الحشاشين؟ هل كان الحوار والإقناع أم المهادنة وطلب المشاركة والصداقة والوفاق؟ نعم.. كل هذا كان يحدث باستمرار طوال القرنين من الحادى عشر إلى الثالث عشر ميلادى، بدون أى فائدة ترجى.

نعم.. «لا ينفع مع الإرهاب إلا إرهاب الإرهاب»، وهذا ما قام به أكبر إرهابى فى التاريخ، المغولى «هولاكو»، سنة 1256م بعد أن عرف بأمرهم وقام بمذبحة كبيرة وإحراق للقلاع والمكاتب الإسماعيلية.

وإرهاب هولاكو المضاد كان عنيفا ومأساويا إلى أقصى الحدود وشمل الجميع مذنبا وبريئا، وللأسف كان عدد من كان هناك ولم يشارك فى الإرهاب أضعاف أضعاف القتلة ومشايخهم.

فهل يمكن تقنين «إرهاب الإرهاب»؟

هذا ما دفعنى لذكر قصة المناقشة مع بعض الزملاء فى مدينة هيوستن الأمريكية سنة 1986، ووقتها لاحظت مناقشة حامية حول أن المجرم المدان بالقتل أو القاتل لا يصح أن يحكم المجتمع عليه بعقوبة الإعدام. وأنه إذا كان مجرما وقاتلا فلا يجب أن يكون مجتمعه وقاضيه مجرما وقاتلا مثله. وأن أصح عقوبة هى السجن مدى الحياة، وإبعاده عن الطريق- كما يقولون- طوال عمره.

التفتت طبيبة تجاهى قائلة: بوصفك مصريا أو من عالم آخر.. ما رأيك؟.

فقلت بدون تردد: الإعدام إذا ثبت بكل المعايير أنه شرع عامدا متعمدا فى قتل برىء بدون ذنب ارتكبه.

فردت قائلة: لكن هذا نوع من التطرف، لماذا لا نكون نحن كمجتمع أكثر إنسانية، ونسجنه مدى الحياة؟.

فأشرت إلى صدرها قائلا: معذرة.. ولكن إذا أصابك سرطان الثدى، فعلاجك سيكون استئصال الثدى وجزء كبير من خلاياه السليمة أيضا مع الخلايا السرطانية أو الإرهابية التى إذا تركناها ستدمر كل عضو بجسدك.

وأضفت قائلا: ولكننا نعلم أن تقنين الاستئصال أو البتر فى الجراحات يعتبر جريمة يحاسب عليها الطبيب إذا كان البتر مغالى فيه لجزء من جسدك السليم.

فإرهاب الإرهاب، قد يكون له بعض الضحايا الأبرياء وهذا علاج صحى فى كل المجتمعات، وتقنين الموافقة على طرق علاج الإرهاب مثل دواء كريه طعمه مر ولكن بالتجربة والخطأ ثبت فى النهاية أن ثمرته الشفاء.

وأنا لا أعنى القتل والتشفى فيمن يمارس الإرهاب، فالإرهاب كالمرض يحتاج إلى وقاية وطرق متعددة للعلاج.

وأولا وأخيرا البقاء لله فى شهيدى الواجب. فالأول ترك خمسة أطفال يتامى والثانى ثلاثة آخرين.

■ ■ ■

وكتبت هذه المقالة بعد أن طاردتنى وتكررت كلمة «لماذا؟» بعد تعرضى لهذا الحادث بأسبوع، ولأنى لم أشارك واقعيا فى الحادث، تطورت صيغة السؤال بعد ذلك من «لماذا؟»، إلى صيغة أخرى تبدأ «بماذا؟».. بماذا فى الحقيقة كان يفكر الشاب القاتل؟ بماذا كان يفكر الشرطيان وطلقات الرصاص تخترق جسديهما؟ بماذا كان يفكر حقيقة حارس البنك وهو يختبئ رافعا سلاحه؟ وبماذا..؟

- وعدت بكلمة «بماذا؟» إلى بواب المنزل، وكان رجلا كسولا فى الخمسينيات من عمره، قصير القامة ممتلئ الجسم وضعيف البصر، وعندما سألته بعد سنة من هذا الحادث «بماذا كنت تفكر وقت الحادث وندمت على أنك لم تفعله؟». فكان رده وكأنه بدأ يمثل فى فيلم سينمائى: أن أقفز من باب حجرتى.. وأتفادى الطلقات، وأتوقف للحظات لأرفع جلبابى من طرفه وأضعه بين أسنانى، وأقفز عليه عاليا كالنمر لأشل حركته.

وكنت أنظر إليه مندهشا؛ ليس فقط كيف اختلط العقل بالخيال، ولكن لانفعالات وجهه واهتزاز أجزاء جسده الممتلئ وهو يقول: وطبعا سأصيح «الله أكبر.. الله أكبر» وأمسك بـ...

فقاومت الضحك والتعليق، ووضعت على وجهى بصعوبة مسحة الجدية وقاطعته رافعا يدى: الحمد لله أنك بخير..!!.. شكرا.. شكرا.. سلام..!

.. أرجوك وأتوسل إليك أن تنظف سلالم العمارة!!

* أستاذ القلب- جامعة القاهرة

Adel@AdelZaki.com

------------------------
الخبر : إرهاب الإرهاب.. بين العاطفة والعقل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق