مأساة أم ملهاة؟.. عن مشهد مجلس النواب ورئيسه والدستور!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كثيرة تلك الأسئلة التى أثارتها الجلسات الأولى لمجلس النواب، والتى أحدثت لغطا كبيرا لدى مختلف قطاعات الشعب المصرى، وسأقتصر هنا على مناقشة بعضها، ورغم كل تحفظاتى المعلنة على السيناريو الذى أوصلنا إلى مجلس النواب الحالى، ذلك السيناريو الذى بدأ بتخلى الجمعية التأسيسية عن واجبها بتحديد ملامح النظام الانتخابى وتركه للمُشَرِّع وقتئذ، وهو رئيس الجمهورية، وقد عاون الرئيس مستشاروه فى وضع قوانين المرحلة الانتقالية، ولم يستمعوا لنصيحة الناصحين من أهل السياسة والقانون، وجاء مجلس يثير فى جلسته الافتتاحية سخرية الشعب، وانتهى بأن مجلس النواب الذى صنعوه على أيديهم ترأسه واحد منهم ساهم فى صناعة إطاره التشريعى- أقول رغم كل هذه التحفظات، فإننى كنت كأستاذ فى القانون يعلم تماما حجم التحديات التشريعية التى تواجه المجلس، كنت أُفضل- من منطق مهنى لا شأن له بالسياسة- أن يأتى المستشار الدكتور سرى صيام رئيساً للمجلس. ولا يمثل هذا انتقاصا من قدر الرئيس الحالى الذى توافق عليه ما يُسمى «ائتلاف دعم مصر»- (وارث تقاليد الحزب الوطنى وصاحب مهامه)- ليس انتقاصاً من قدر الرجل، وهو زميل فاضل بالجامعة، ولكن لأننى أعلم أن الكفاءة التشريعية التى يتمتع بها المستشار صيام قلَّ أن توجد فى أحد من فقهاء القانون بمصر الآن، فقد جلس سرى صيام على منصة القضاء سنوات طويلة فى مصر والكويت، وعمل سنوات طويلة مساعداً لوزير العدل لشؤون التشريع، ثم نائبا لرئيس محكمة النقض، ثم رئيسا للنقض ولمجلس القضاء الأعلى، ووضع مشروع قانون مكافحة الإرهاب الذى رفضه مبارك، لانحيازه لضمانات الحريات، ومازال هذا القانون محفوظا فى درج المهملات لدى الوزير المختص.

ثم انضم إلينا فى لجنة القانون بالمجلس الأعلى للثقافة، ونظم مؤتمرا ناجحا عن المواجهة التشريعية للإرهاب. لم أكن أود الإفاضة فى الحديث عن الرجل، ولكنى أردت إلقاء الضوء على جانب مهم فى مرحلتنا الراهنة، وهو كفاءته المهنية الراقية التى اكتسبها من خبرته الممتدة فى صناعة التشريع وتطبيقه، ومن أبحاثه التى تدور كلها حول الحريات والقوانين العقابية. ولقد خبرت العمل معه عن قرب فى لجنة تعديل القوانين العقابية لإلغاء عقوبة الحبس فى قضايا النشر الذى جازف مبارك بأن وعد به نقابة الصحفيين، فوجدت المستشار الجليل يبذل قصارى جهده فى إطار المُتاح سياسيا فى ذلك الوقت، لتنقية قانون العقوبات مما تضمنه من لغو فى تقييد الحريات على مر العصور. يجب أن تعرف مصر لرجالها أقدارهم بعيدا عن هوى وحسابات الأجهزة، التى لا تنظر للناس إلا من خلال ثقب الباب الضيق.

أقول هذا لأنه عندما يتحدث أمثال القاضى سرى صيام فى القانون فيجب أن يستمع الجميع باهتمام، حتى ولو كانت التعليمات الصادرة لهم على غير ذلك.

اختلف الرجل مع المنصة فى عدة أمور فنية قانونية. وندرك نحن رجال القانون أنه كان على حق فيها كلها. اختلف حول تفسير المادة 117 من الدستور التى تنص على ما يلى: «ينتخب مجلس النواب رئيسا ووكيلين من بين أعضائه، فى أول اجتماع للدور السنوى العادى...»، وهناك فارق بين مصطلح «الاجتماع» ومصطلح «الجلسة»، فالجلسة واقعة قانونية قد تمتد لأكثر من اجتماع، ولكن الاجتماع واقعة مادية ينعقد باكتمال نصابه وينفضّ بانصراف أعضائه. وقد خالف رئيس المجلس الدستور عندما قام بتأجيل انتخاب الوكيل الثانى إلى اجتماع لاحق على غير ما تنص عليه المادة المذكورة. بطبيعة الحال فإن هذا لا يُبطل انتخاب الوكيل الثانى، ولكنه يُنبئ عن عدم اكتراث رئيس المجلس بالدستور الذى أقسم على احترامه منذ لحظات. الخلاف الثانى بين الرجلين تعلق بتطبيق مبدأ المساواة فى القانون فى انتخاب الرئيس والوكيلين. لقد استنَّ الرئيس الإجرائى للمجلس «أكبر الأعضاء سنا» سُنّة حسنة عندما سمح لكل من المرشحين على منصب الرئيس بثلاث دقائق يقدم فيها نفسه للأعضاء. وكان مقتضى مبدأ المساواة أمام القانون أن يُعطى المرشحون لمنصبى الوكيلين نفس الفرصة. ولكن رئيس المجلس أبى ذلك لعلة لا نعلمها، متنكرا أيضا لمبدأ المساواة المنصوص عليه فى الدستور الذى أقسم على احترامه منذ دقائق، فلعله كان متأثرا بالرأى الرسمى القائل بأنه دستور طموح وُضع بحسن نية. وهو رأى إن أمكن تفهمه عند إبدائه من السلطة التنفيذية فهو لا يمكن قبوله من السلطة التشريعية الحارسة على الشرعية، إلا إذا كانت الثانية تابعة للأولى وليست مجرد داعمة لها. ويرد رئيس مجلس النواب عندما يجادله أحد فى ذلك بأنه هو الذى وضع الدستور. وهذا يُذكِّرنى بقول لويس السادس عشر: «أنا الدولة». الذى وضع الدستور يا سيدى رئيس المجلس لجنة تأسيسية مكونة من خمسين عضوا، والذى وافق عليه هو الشعب المصرى.

نأتى بعد ذلك إلى ما أقدم عليه رئيس المجلس الموقر من تشكيل لجان نوعية مؤقتة لدراسة القرارات بالقوانين التى صدرت من رئيس الجمهورية لتوصى المجلس بشأنها: فإما أن توصى بالموافقة على تلك المئات من التشريعات خلال خمسة عشر يوما، وإما أن توصى بعدم الموافقة، فتنعدم القوانين الرئاسية ويزول أثرها بتاريخ رجعى دون حاجة لأى إجراء آخر.

كلنا نعلم مبدأ عدم صلاحية القاضى فى حالة العداوة أو المودة أو المصلحة أو سبق إبداء الرأى. ولرئيس المجلس الحالى مودة مع القوانين الرئاسية وعداوة مع مَن ينتقد بعضها ومصلحة فى إقرارها، لأنه شارك فى صناعتها ودافع عنها بحماس. وبعض نصوص هذه القوانين به شبهة مخالفة للدستور.

نذكر أن رئيس المجلس كان له رأى- قبل أن يُنتخب فى منصبه الحالى «بدعم من ائتلاف دعم الدولة»- مؤداه عدم ضرورة عرض هذه القرارات بالقوانين على المجلس لحجج رآها، وأخذاً منه بممارسات بعض دول الخليج عندما عمل مستشارا لحكامها، وأيده فى ذلك بعض فقهاء السلطان، الذين ينتمون إلى عصور سابقة وأسهموا فى إفساد حياتنا السياسية. وقد تصديت لهذا الرأى «الذى ارتأيته فاسداً» على صفحات «المصرى اليوم» وفى مداخلاتى الإعلامية.

وإذا بنا نرى رئيس المجلس يقفز فجأة إلى الجانب المقابل، ويأخذ برأينا بلزوم عرض هذه التشريعات على المجلس، فشكَّل لجانا مؤقتة لإبداء الرأى فيها، فماذا يا تُرى دعاه إلى العدول عن رأيه السابق الذى كان يقدم به عربون العرفان لدعم الدولة؟ هل هو الانصياع للحق، أم أنه تلقى الأمر من ائتلافه بالانصياع للحق، لخطورة ما كان سيؤدى إليه رأيه على مستقبل النظام، خاصة أنه أعلن من على منصته أن عدم موافقة المجلس على هذه التشريعات سيؤدى إلى حل المجلس؟

هذا الكلام الأخير يُحمل على أكثر من وجه. الوجه السيئ أن رئيس المجلس يوجه تهديدا للنواب: إما أن توافقوا على تشريعات الرئيس وإما أن الرئيس سيحل مجلسكم الذى بذلتم فى سبيل الوصول إلى مقاعده الغالى والنفيس. وهو تفسير لا نقبله، وإن كانت تحمله كلماته. لأننا نُنزه رئيس المجلس عن أن يهدد أعضاءه، مُلوحا بعصا الرئيس القائد «كما لقَّبه فى خطبته غير العصماء». أما الوجه الآخر للتفسير الذى نُرجحه فهو أن رئيس المجلس يريد أن يقول للأعضاء إن عدم موافقتكم على قانون مجلس النواب بالذات سيجعل هذا القانون فى حكم العدم وفقا للمادة 156 من الدستور. ولكن كان عليه- وهو أستاذ الجامعة المعلم- أن يشرح ذلك بوضوح وأن يقول الحقيقة كلها.

ما علينا.. كان أمام المجلس الموقر طريقان للتعامل مع القوانين الرئاسية: طريق الاستقامة، وهو أن يسارع المجلس عملا بلائحته النافذة إلى الإسراع بتلقى ترشيحات الأعضاء بعضوية اللجان النوعية الدائمة وبتشكيلها وهيئات مكاتبها، ثم يُحيل التشريعات الرئاسية إليها لدراستها وعرضها على المجلس فى المدة التى حددها الدستور، وكان له أن يأخذ برأى كبار رجال القانون الدستورى- ومنهم أستاذنا الدكتور يحيى الجمل، والأستاذ الدكتور فتحى فكرى، أحد أعضاء لجنة العشرة- بأن موعد الخمسة عشر يوما هو موعد تنظيمى يمكن تجاوزه، وإما أن يلجأ إلى تطبيق نص آخر منصوص عليه كاستثناء فى المادة 182 من اللائحة بتشكيل لجنة خاصة مؤقتة لدراسة القرارات بقوانين التى صدرت عن الرئيسين وإعداد تقارير بشأنها وعرضها على المجلس. ولجأ رئيس المجلس إلى الخيار الثانى- على ما به من شبهات- لعدة أسباب فى رأينا: لأنه يمنحه سلطة اختيار رئيس اللجنة وأعضائها دون مُعقِّب، وقد شهدنا فى ذلك أمرا عجبا «جعل الرئيس أكبر الأعضاء سنا بصرف النظر عن خبرته وتخصصه»، ولأنه يعطيه سلطة توزيع القرارات بالقوانين على اللجان كما يراه هو بطريقة عشوائية ودون مراجعة. وهكذا شهدنا المستشار الدكتور سرى صيام، شيخ القضاة السابق، يقف متسائلا متعجبا: كيف يجد اسمه عضوا فى لجنة لم يُستَشَر فى قبول عضويتها. ويرأس هذه اللجنة رئيس أكبر منه سناً، وقد يكون أقل منه خبرة، ويجاوره فيها مَن قد يرى عدم جدوى مجاورته. وشهدنا مَن يرفع الحذاء دوما فى وجوه معارضيه يرأس لجنة حقوق الإنسان.

الأرجح أن الفلسفة الحاكمة لتشكيل هذه اللجان كانت ضمان الحصول على موافقتها فى ثلاثة أيام، أيا كان الموقف النزيه من دستوريتها أو ملاءمتها أو موقفها من الحقوق والحريات العامة. ثم بعد ذلك سيوافق المجلس فى جلسة واحدة على ما ينتهى إليه تقرير كل لجنة، لأن أغلبية المجلس مع دعم الدولة إن أصابت أو أخطأت. وذلك لعمرى تحايل على نص المادة 156 من الدستور، وتناقض صارخ مع حكمته فى أن يكون المجلس رقيبا على تشريعات الضرورة، لأن رقابته هنا رقابة صورية أو رقابة بلا رقابة، وهو ما يهدد كل هذه القوانين، ومنها قانون انتخابات الرئاسة وقانون مجلس النواب، بالحكم مستقبلا بعدم دستوريتها وما يترتب على ذلك من آثار.

هل نتوقع من أحد من أعضاء هذه اللجان أن يتمسك بالقول إن أغلب هذه القرارات بقوانين غير دستورى، لأنه افتقد شرط وجود ضرورة لا تحتمل التأخير تدفع إلى الاستعجال فى إصدارها كما تشترط المادة 156؟

هل نتوقع من أعضاء هذه اللجان أن يُثير مسألة عدم دستورية إطلاق مدد الحبس الاحتياطى فى حالات محددة، أو عدم دستورية منح رئيس الجمهورية سلطة تسليم المتهمين الأجانب لدولهم، أو عدم دستورية تحصين عقود الدولة ضد الطعن القضائى، وغير ذلك الكثير؟

لا، لا نتوقع شيئا من ذلك لسببين: أولهما أن أغلب أعضاء هذه اللجان المؤقتة على غير بَيِّنة من ذلك، وثانيهما أنهم أقسموا فى ضمائرهم على دعم الدولة، ولو خالفت الدستور، ولله الأمر.

------------------------
الخبر : مأساة أم ملهاة؟.. عن مشهد مجلس النواب ورئيسه والدستور! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق