عاجل

ارحموهم يرحمكم الله

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هم زينة الدنيا وبركتها ونورها الذى لا ينطفئ أبدا، فى حماهم عشنا وبدعائهم استبشرنا وعلى عطفهم تربينا، لولاهم ما كان لنا وجود، ولولاهم ما أَمِنَّا على أنفسنا ولا نجحنا فى تحقيق أحلامنا ولا شعرنا بطعم الحياة، كان من المفترض أن يكون مكانهم الطبيعى فى قلوبنا وفوق رؤوسنا إلا أن بعضنا أساء إليهم وامتهنهم ونسى أفضالهم واتخذ قراره بأن يتخلى عنهم بعد أن تقدمت بهم السن، اعتقادا منه بأنه سيتخفف من عبء مسؤولياتهم ويريح باله منهم عندما يلقى بهم فى إحدى دور المسنين، وكم من مآس بين جدران هذه الدور تعرفت على القليل منها عندما كنت فى زيارة لإحداها منذ أيام.

حينئذ استولى على قلبى الوجع من حكايات سمعتها على لسان أولئك البؤساء الذين ألقوا على أذنى منها ما لا يصدقه عقل ولا يقبله ضمير..

قالت لى سيدة على أعتاب الثمانينيات: «أنا هنا منذ 5 سنوات تقريبا بعد أن توفى زوجى وقرر ابنى أن يتزوج فى شقتى ولم أعترض طبعا، لكنه بدلا من أن يقوم هو وزوجته على رعاية شؤونى قاما بطردى من الشقة، فأخذنى أولاد الحلال وجاءوا بى إلى هنا، ومنذ يومها إلى الآن وأنا تائهة حائرة حزينة، أسأل نفسى كلما وضعت رأسى على مخدتى هل كنت يوما من الأيام أمًّا أم أن أبناء هذه الأيام فقدوا الإحساس بمعنى الأمومة؟».

وقالت لى سيدة ثانية: «كان عندى ابنان وبنت، الأول تخرج فى كلية الطب ثم سافر فى بعثة إلى أمريكا فدعوت له بالنجاح والتوفيق والثانى عُينَ مهندسا للبترول بشركة كبيرة فى الغردقة ودعوت له هو الآخر بالنجاح والتوفيق، ورغم صعوبة فراقهما على نفسى فقد كنت مطمئنة لقرب ابنتى منى وحرصها على ألا تتخلى عنى أبدا، فكانت لى الأنيس والرفيق، كانت إذا خرجت وتركتنى أو تأخرت عنى لأى سبب، تسارع بالاعتذار إلىّ وطلب السماح منى ثم تعدنى بأنها لن تكررها ثانية.

وفى يوم من الأيام وجدتها تدخل إلَى غرفة نومى مندفعة وعلى وجهها كل أمارات السعادة وراحت تعانقنى وهى تقول بفرح وسرور: حبيبتى يا أمى الحمد لله، وبفضل دعواتك لى عينونى معيدة بالكلية، أعلم أنك قلقة من بعد المسافة لكن اطمئنى فسوف أستأجر شقة صغيرة مع إحدى صديقاتى قريبة من عملى وعندما سألتها هل سأكون معك؟ أجابتنى: الأمر صعب جدا يا حبيبتى لأننى سأنشغل عنكِ وعلى أى حال لا تقلقى، فقد حجزت لك مكانا بدار كذا للمسنين، وأعدك بأننى سأزورك كلما سنحت لى الفرصة وستكونين أول الحاضرين عند مناقشتى لرسالة الماجستير، والغريب أنها ناقشت الماجستير والدكتوراه وتزوجت وأنجبت وأنا هنا أسيرة الإحساس بالوحدة ومرارة العمر الذى ضاع».

وحكى لى رجل ثالث والدموع لا تكاد تفارقه: «تعرضت للإصابة بالفشل الكلوى وبعد نفاد ما أملك فى عملية الغسيل التى كانت تُجرى لى 3 أيام أسبوعيا طلبت من زوجتى أن تبيع السيارة التى سبق أن اشتريتها لها باسمها، فاعتذرت بحجة أننى عندما يتوفانى الله فلن تجد ما تنفقه على نفسها وعلى أبنائنا وستُجبر على مد يدها (للى يسوى واللى ما يسواش)، فاضطررت للبحث عن القلوب الرحيمة كى تعيننى على ما أنا فيه وبعد أن يسر الله لى أمرى، قررت ألا أبقى فى البيت لحظة واحدة وأسلم نفسى لهذه الدار، لعل الموت يعرف طريقى ويريحنى من الدنيا أو يريح الدنيا منى».

وحكى لى شيخ رابع: «كانت عندى ثروة ضخمة ولخوفى من أن يفرق الشيطان بين أبنائى وبناتى بسببها، قررت توزيعها بينهم فى حياتى، واحتفظت لنفسى بالمعاش الذى ظننته سوف يكفينى، ولم يكد يمضى عام على تصرفى هذا حتى فوجئت بكل واحد منهم يبيع نصيبه، تألمت طبعا لأنهم تصرفوا فى ملكى على عينى وتألمت أكثر لأنهم لم يجنبوا مليما واحدا يعيننى على هذا الغلاء الرهيب الذى لم يعد يرحم أحدا، لذلك قررت أن أترك لهم الجمل بما حمل وآتى إلى هنا وليهنأوا بما أخذوا وأرضى أنا بما بقى لى من حطام الدنيا».

مآس تعز على الحصر وحكايات يشيب لها الولدان وخسة ونذالة باتت شاهدة على فطرة البعض غير السوية والضمائر الميتة والإنسانية المحكوم عليها بالإعدام، ياااااه ماذا جرى للناس؟ وكيف جرى؟ أين كانت كل هذه القسوة؟ وممن تعلمها هؤلاء؟ هل يعقل أن يكون جزاء الإحسان بالإساءة ويُقابل العطاء بكل هذا الجحود؟، إن أكبر مأساة فى الدنيا أن ينظر المرء وراءه فيجد زمنا ضائعا وجهدا مهدرا وغربة فُرِضَت بحكم الزمان والمكان، أكبر مأساة فى الدنيا أن يكتشف المرء فى آخر حياته أنه بات بلا حول وبلا قوة وأن ما زرعه لم يحصد منه سوى المر وأنه قد هان فى عين محبيه مثلما هانوا عليه.

------------------------
الخبر : ارحموهم يرحمكم الله .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق