عن طبيعة البناء الفكرى لأينشتاين .. وفكرة تحطيمه

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مرَّ قرن من الزمن على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، فكان قد قدم أول عرض لما يسمى «معادلات المجال» فى نوفمبر ١٩١٥، ثم نشر ورقة مفصلة فى ربيع العام التالى (١٩١٦).. وكما كان الحال فى ربيع العام الماضى، يعتقد الكثير من العلماء أننا على وشك كشف معملى عن أحد أهم تداعيات نظريته. سأعود لمحاولة شرح طبيعة هذا الاكتشاف المحتمل، لكن يجب أولاً تناول أهمية الأدلة التجريبية فى إطار نظريات أينشتاين، لأن هناك الكثير من اللبس فيما يخص ذلك (ومن ثم ظاهرة رغبة «تحطيم اينشتاين» الدورية الشائعة، دون فهم أن تحطيمه كلياً بهذه السهولة يتطلب إلغاء بعض معطيات واقع العالم المادى).

نظرياته اشتهرت بين الجماهير فى سياق ما يمكن تسميته «مجال الإثارة العلمية».. فى مواضيع حركت «غريزة الفضول» تجاه ما هو «شاذ» ومزعج وصادم- كانحناء الفضاء، الثقوب سوداء الخ... رغم أن أينشتاين نفسه كان يُعتبر إلى حد كبير من «المحافظين» علمياً؛ فرفض مثلاً فكرة الثقوب السوداء، ونبذ فكرة تمدد الكون (بل قام بتغيير معادلاته فى محاولة فاشلة لتفادى الأمر)، ناهيك عن نفوره الحاد من الطبيعة اللايقينية لميكانيكا الكم.

وعندما اكتشف النسبية لم يكن يبحث عما هو نسبى، بل على العكس كان يبحث عن المطلق، أى عن الأشياء التى لا يمكن أن يختلف عليها اثنان (مثل سرعة الضوء). فى سياق النسبية الخاصة (١٩٠٥) اقتصر الأمر على المراقبين المتحركين بسرعات ثابتة بالنسبة لبعضهم البعض، لكن هؤلاء لا يتواجدون عامة فى ظل مجال الجاذبية، لأن الأخير- وهو موجود طالما هناك مادة- يغير سرعة الأجسام فيعجلها (إذا تركت كرة تسقط من يدك فإنها ستغير سرعتها من السكون حتى تصل إلى الأرض بسرعة اكتسبتها نتيجة تأثرها بالجاذبية الأرضية).

مع ذلك، يمكن «إلغاء» المجال الجاذبى إذا تحركنا معه، فمثلاً رواد الفضاء فى مركبة تدور حول الأرض لا يحومون فى المركبة بشكل يوحى بأن الجاذبية انعدمت، لأن المجال الجاذبى للأرض اختفى فعلاً، ولكن لأنهم يدورون حول الأرض بنفس الطريقة بالضبط التى تدور بها المركبة، لذلك توحى حركتهم (بالنسبة للمركبة وليس بالنسبة للأرض!) بأن المجال الجاذبى للأرض قد انعدم. النسبية العامة هى محاولة (ناجحة بجدارة حتى الآن) لتحويل وترجمة قوانين الحركة بين من هم فى حالات مثل راكبى المركبة الفضائية وآخرين لا يتحركون هكذا (مراقبون مثبتون على الأرض مثلاً)، فى سبيل حصر ما هو مطلق، أى ما سيتفق عليه من فى المركبة ومن فى الأرض.. ليتضح حسب النظرية أن ما يتفقون عليه حساب لمسافات فى فضاء منحنى (يختلف انحناؤه مع شدة مجال الجاذبية، الذى يتغير بالضرورة من مكان لآخر).

الوصول لفكرة الفضاء المنحنى كان إذن نتيجة التمسك بالمطلق وليس عن سبيل البحث عن «نسبيات».. ورغم كثرة الكلام عن التداعيات «الفلسفية» لنظرية النسبية فإن (بما أنها نظرية فيزيقية وليست ميتافيزيقية) تداعياتها فى هذا الاتجاه محدودة، فكل النظريات العلمية لا تجيب فى الأساس عن أسئلة طبيعتها «لماذا»، إنما فقط من نوعية «كيف»، ومعنية بالجزء وليس الكل، وبالتالى ليس لها أى معنى «وجودى» أعمق.

لكن فى المقابل للنسبية العامة تداعيات معملية مهمة يمكن اختبارها، فنحن نعرف الآن مثلاً أن الضوء ينحنى حين يمر بمجال جاذبى، وينحنى بالضبط حسب ما تنبأت معادلات أينشتاين به، ونعرف أيضاً أن هذه المعادلات تشرح حركة الأجسام فى المجموعة الشمسية بشكل أفضل من معادلات نيوتن، بل لا يمكن حتى تصميم جهاز «جى بى إس» دون أخذ قوانين النسبية العامة فى الاعتبار!

أما الخطوة القادمة فى اختبار مدى «جدوى أينشتاين» عملياً، فتتمثل فى محاولة الكشف عن أحد أهم تنبؤات النظرية: ما يسمى «موجات الجاذبية»، وهذه نابعة مباشرة من وجود سرعة قصوى فى الكون (سرعة الضوء).

رغم غرابة الفكرة فى الوهلة الأولى، فإن وجود سرعة قصوى مطلوب لصيانة اتساق نظام الطبيعة، فكّر فى الموضوع، فالقطار الذى يسير بسرعة ما لا نهائية مثلاً سيقف ويتواجد فى كل المحطات فى نفس الوقت! والجاذبية نفسها تسير بهذه السرعة، ومن ثم توجد موجات للجاذبية، تشبه الموجات الكهرومغناطيسية التى تجسد الضوء. ولأن الجاذبية تتسبب فى انحناء فى هندسة الفضاء، فالنتيجة هى تموجات فى هذا الفضاء، تعمل على تمدده فى اتجاه وانكماشه فى اتجاه مقابل فى سياق سلك مسارها.

محاولة الكشف عن تلك الموجات تكلفت (فى تجربة واحدة من هذا النوع) ٦٢٠ مليون دولار وتضم أكثر من ٩٠٠ عالم. هذا هو مدى الجدية التى يعطيها المجتمع العلمى لهذا الموضوع، ليس سعياً لـ«تحطيم أينشتاين» عنفوانياً (رغم أن تعديلات لا تمس نجاحات نظرياته حتى الآن واردة)، إنما للاستفادة من تداعيات نظرياته العبقرية فى سبيل فتح نافذة جديدة على الكون، كما سأحاول أن أشرح فى المقال القادم.

------------------------
الخبر : عن طبيعة البناء الفكرى لأينشتاين .. وفكرة تحطيمه .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق