عاجل

الرعب الحقيقي

0 تعليق 7 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

وضع الخوذة على رأسه، لبس السترة الواقية من الرصاص، حمل حقيبته على ظهره، وخرج في الصباح مودعاً أمه وأبيه وكأنه جندي ذاهب إلى المعركة، في حين أنه مجرد طالب يهم في الخروج من بيته للذهاب إلى مدرسته. هذه الصورة قد تبدو خيالية ومبالغ فيها لزوم الدراما، لكنها للأسف واقعية، ترسم صورة عن «أمريكا بلد الأحلام» كما كانوا يسمونها، وحال بعض مدارسها وأولياء الأمور وأبنائهم، بعدما تحولت عمليات إطلاق النار على الطلبة والأساتذة الأبرياء، إلى مسلسل رعب أمريكي حقيقي، وبعدما صارت حقائب مدارس الأطفال مجهزة فعلياً بدروع واقية من الرصاص!

لا، ليس في الأمر مبالغة، فالمدارس الأمريكية تبحث عن وسائل لحماية طلبتها من جرائم القتل المنتشرة، والتي يرتكبها طلبة يعانون من أزمات نفسية أو اضطهاد داخل مدارسهم أو مشاكل عائلية. ومن ضمن الحلول، حقائب وخوذات وسترات واقية من الرصاص. وكأن التلميذ يذهب كل يوم إلى أرض المعركة، وفي ذهنه أنه معرض للقتل في مدرسته! فأي أمن هذا؟ وأي تعليم واستقرار؟ وأي أجيال تنمو وتكبر على فكرة القتل المباح والخوف الدائم؟ وهل مستقبل المدارس هناك تحويلها إلى معسكرات والكل مجند والكل مسلح، والأرض معرضة في أي لحظة لتصبح بركة دماء؟

هل مازال شبابنا العربي يرى في أمريكا أرض الأحلام؟ هل مازالوا يسعون للهروب من أوطانهم للتعلم في المدارس والجامعات هناك، باعتبارها أفضل من مدارس وجامعات بلدانهم؟ يقول المنطق أنه لا يجوز تعميم «الحوادث الفردية» التي تقع في بعض المدارس، على الحالة الأمنية العامة في أمريكا. حسناً، لكن هل تعتبر حادثة قتل 17 طالباً ببندقية أحد زملائهم والتي وقعت مؤخراً في مدرسة في فلوريدا، فردية؟ وهل مقتل 60 شخصاً في لاس فيجاس في أكتوبر الماضي، وقبله بعام مقتل 50 شخصاً في أحد الملاهي في فلوريدا، ومجزرة «كونيتيكت» عام 2012 في مدرسة ابتدائية ذهب ضحيتها 27 شخصاً منهم 20 طفلاً، ومذبحة جامعة فرجينيا عام 2007 والتي قضت على 32 شخصاً معظمهم من الطلبة.. ونعود إلى الوراء قليلاً، حيث مجزرة «ثانوية كولومباين» الشهيرة عام 1999 والتي أودت بحياة 12 طالبا وأستاذا واحدا وقام بها طالبان انتحرا بعد العملية.. ناهيك عن أعداد المصابين والطلبة الذين تلقوا علاجا نفسيا إثر إصابتهم بصدمة بعد كل عملية «إرهابية» في مدرسة أو جامعة.. والتاريخ يسرد حوادث مماثلة عبر سنوات بعيدة ومتفرقة تصل إلى عام 1966 حيث مجزرة في جامعة تكساس وغيرها.

لماذا كل هذا العنف المتنقل بين المدارس، في بلد المفروض أنه ديمقراطي، يعيش بسلام، و«يحارب العنف» ويشن حروباً ضد الإرهاب أينما وجد حول العالم؟ ولماذا لا تطلق أمريكا على مثل هذه العمليات الإجرامية «إرهاباً»، طالما أنها تقضي على أمن واستقرار أبنائها وتهدد حياة الأطفال والشباب الأبرياء، وطالما أن مدارسها أصبحت معرضة للخطر في أي وقت؟

لا ندعي أننا نعيش في عالم وردي، إنما ندعي أننا نرى ما نحن فيه وعليه بعين الواقع، ولا نمشي خلف وهم المثالية. مشكلة أمريكا الحقيقية، أنها تدعي نبذ العنصرية، بينما تزرع في عقول ونفوس أبنائها وهماً كبيراً، كي تحمي سياستها الخارجية، حيث يعتقد كل أمريكي أنه مستهدف من قبل «الآخرين»، وأن هناك دائماً من يهدد أمنه واستقراره، لذا من حقه أن يقتني سلاحاً في بيته ليحمي نفسه وأسرته.

دولة تحمي حروبها ضد إرهاب تخلقه بنفسها وتقضي سنوات في عقد صفقات للقضاء عليه، عبر تلك الأساطير التي تزرعها في عقول مواطنيها، تماماً كما تفعل في أفلامها، حيث توهم الناس بأنها البطل الذي سينقذ العالم كله من المجرمين والإرهابيين، وهي من يحمي السلام على الأرض. لكن من يعيد للأطفال الأمريكيين إحساسهم بالأمان الحقيقي؟

لا، لم تعد هي الحلم، فالعالم أصبح له توجهات أخرى، ودول كثيرة أثبتت تفوقها في التعليم على أمريكا، فهل مازلتم تحلمون؟

------------------------
الخبر : الرعب الحقيقي .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق