النغمة الواحدة والإحساس المفقود

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

قد تستمع لنغمة تعجبك وتمتع أذنك، وتجعلك تشتاق لتلك النغمة من وقت إلى آخر، لكنها عندما تتكرر كثيرا ويُفرَض عليك الاستماع إليها فرضا، فستتحول إلى عبء على إحساسك بل ستصيبك بالرتابة والملل، والحقيقة أن فكرة النغمة الواحدة هذه باتت تطاردنا الآن فى أنماط الأحاديث والأخبار المتكررة يوميا وفى الوجوه التى نراها ولا نحبها وفى نوعية البرامج التى أصبح معظمها عن نجوم الكرة أو الراقصات أو الممثلين محترفى البلطجة بالإضافة لمجموعة المحللين والسياسيين والمغنين من الأكلة على كل الموائد، وأريد أن أتوقف هنا عند من تصوروا أنفسهم متحدثين باسم الشعب ومعبرين عن نبضه، فملأوا الدنيا تحليلات ومدائح لقرارات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، والتى لا يختلف الكثيرون على أهميتها وقيمتها فى هذه المرحلة الصعبة، والتى لا يتعامى عنها أو ينكرها سوى الجاحدين والحاقدين والكارهين لسلامة واستقرار هذا البلد، لكن الحديث عن هذه القرارات والإنجازات باعتبارها مجردة من الأخطاء والسلبيات وخالية من الانتقادات والمآخذ هو أمر يقلل من أهميتها ويخرجها من كونها عملا بشريا إلى عمل مقدس لا يصح لعاقل أن يكفر به أو حتى يناقشه،

وهذا منتهى اللاوعى بمفردات الواقع، فأى قرار أو إنجاز لكى يؤتى ثماره وتحصل منه الفائدة المرجوة لابد أن يتم إثراؤه بالنقاش والحوار البناء بالاتفاق أو الاختلاف عليه، ومعرفة من هو المستفيد، ومن هو المتضرر منه؟ وكلما كان هناك مؤيدون ومعارضون لما يتُخذ ويتكرر، صار الكبير أكبر، والقوى أقوى، والزعيم أكثر شعبية، وسأضرب مثلا بالعاصمة الإدارية الجديدة التى تمثل خير شاهد على رغبة الرئيس السيسى فى تغيير خريطة التمركزات السكنية وتخفيف الضغط عن القاهرة من أجل استعادة بهائها ورونقها وعبقها التاريخى، وكنت أظن أن مراحل بنائها ستخضع لحوار مجتمعى يكشف لعموم الناس ما لها وما عليها بمنتهى الشفافية والوضوح، وهو ما لم يحدث طبعا، فى ظل وجود أبواق لا تزال تفكر بعقلية الستينيات وتروج لممارساتها، خاصة أن ما تم إنجازه فى هذه العاصمة – بحسب المعلومات المتاحة – يؤكد أن العمل فيها يسير على قدم وساق، وأنه خلال فترة وجيزة سوف نرى صورة حضارية عظيمة يرسمها الإنسان المصرى بوعيه وفكره وإصراره على التغيير، لكن ما يدعو للقلق من وجهة نظرى هو هذه الانتقائية المتعمدة فى اختيار وتحديد نوعية من سيتمكنون من الانتقال إلى هذه القلاع والصروح الهندسية الرائعة، والتى اتضحت من خلال الأسعار الموضوعة لشراء الوحدات السكنية والإدارية هناك، والتى تراوحت بين 8 و13 ألف جنيه للمتر الواحد حتى هذه اللحظة، وهو ما يعنى أن سكانها سيكونون من علية القوم وأهل الجاه والنفوذ والحظوة، وبالتالى فالأعداد التى سيمكنها الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة ستكون قليلة للغاية إذا ما قورنت بحجم ما أنفق عليها، الأمر الذى يؤكد أن فكرة تخفيف الضغط عن القاهرة قد توارت خلف أهداف أخرى ينبغى تحديدها.

الغريب أننى لم أسمع من أحد، عبر معظم وسائل الإعلام، يناقش تلك القضية رغم أهميتها، علما بأن مناقشتها سوف تفتح آفاقا كثيرة أمام مقترحات قد تسهم فى المزيد من الاستفادة من هذا المشروع العظيم، الذى أرجو ألا يتحول بفعل فاعلين إلى «منطقة خضراء» يسكنها الصفوة على غرار المنطقة الخضراء فى العراق.

فى نفس الاتجاه أتحدث عن هذا النمط العمرانى الفريد الذى يُشَيّد الآن على هضبة الجلالة بالبحر الأحمر، وأظن أن من سيقدر على شراء وحدات هناك هم أنفسهم من سيشترون بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما يؤكد أن هناك التباسا عاما فى فهم جدوى هذه المشروعات الضخمة، لأننى لا أظن ولا أتخيل ولا أعتقد أن المشاريع العملاقة فى مصر تصمم فقط من أجل أن يفوز بها الأثرياء ويعمل على إنشائها الفقراء، ولا أظن ولا أعتقد ولا أتخيل أن من مصلحة أى محب للرئيس أو لمصر عدم مناقشة تلك الأمور بموضوعية من أجل توضيح الحقائق وإشراك الناس فى فهمها.

يا سادة، إن انفجار ماسورة الغناء والتغنى بأى قرار أو إنجاز وعزف نغمة واحدة هى المدح والشكر والثناء على طريقة شعراء العصر العباسى كلها أمور ستزيد الأخطاء أخطاء، وتصيب الناس بالحساسية تجاه كل ما سيُقدم إليهم لأن الأشياء الجميلة القيمة لا تحتاج لأوصياء، ويراها الناس بقلوبهم وعقولهم قبل هؤلاء المرتزقة الذين يقودون التوجه العام بالسير فى الاتجاه الواحد والنظر بعين واحدة وعزف نغمة واحدة لن تمتع أبدا أهل الذوق ممن يؤمنون بقيمة التنوع.

------------------------
الخبر : النغمة الواحدة والإحساس المفقود .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق