عاجل

الاندماج المسرحى

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

الجماعة الممثلون الذين نشاهدهم على خشبة المسرح، بالتأكيد نحن نعلم أنهم يريدون إضحاكنا، أى أنهم يضحكون علينا، ونحن أيضاً نضحك عليهم، وهم يعلمون أننا نضحك عليهم، كما يعلمون أنهم يضحكون علينا، ونحن نعلم أنهم يعلمون أننا نضحك عليهم وهم يضحكون علينا، الغريب أنهم رغم ذاك يندمجون فى التمثيل، أو فى المشهد تلو الآخر، هناك من يندمج وهو يصرخ فى زميله، ومن يندمج وهو يبكى، ومن يندمج وهو يعبر عن أى مشاعر فى أى من المواقف، وبعضهم يندمج وهو يقبِّل الممثلة أو وهو يعبر عن حبه لها، ربما كجزء من الحالة التى يشعر بها فى الواقع، إلا إن الظروف لم تسمح له بذلك.

المهم هو أن الاندماج فى التمثيل أمر وارد، بل وربما مطلوب، حتى يشعر المشاهد بأن هناك شيئاً ما من الحقيقة، بما يجعل المشاهد هو الآخر يندمج، بل ويعيش دور المقتنع، يخرج من المسرحية مشيداً بالقصة، منبهراً بالممثلين، منفعلاً مع الأداء، يجلس بعد ذلك على المقهى يحكى عن تلك الحالة العظيمة التى عاشها على الطبيعة، مؤكداً أن ما شاهده لم يكن تمثيلاً، إنما هو الواقع الذى جسده الفن، فى الصباح يتحدث مع زملاء العمل، مدافعاً عن كل شىء وأى شىء أيضاً، ذلك أنه مازال يعيش الغيبوبة، لا يريد أن يصدق أنه كان فى مسرحية، ثم بعد ذلك مباشرة يبحث عمن يقرضه بضعة جنيهات، أو من يكرمه بكوب من الشاى، ليس ذلك هو المهم، الأهم هو ألا يستيقظ من غفوته، أو بمعنى أدق غفلته.

الفنان الراحل يوسف وهبى ترك لنا إرثاً فنياً كبيراً، أهم ما نتذكره من هذا الإرث، هو قولته المشهورة: (وما الدنيا إلا مسرح كبير)، وكأن زمن المسرح، الذى لا يزيد على ثلاث ساعات من المشاهدة، هو اختصار لحال الدنيا، ٢٤ ساعة فى اليوم، ٧ أيام فى الأسبوع، ٣٠ يوما فى الشهر، ٣٦٥ يوما فى السنة، ثم بعد ذلك سنوات العمر كاملة، هذه هى الدنيا بالنسبة لأى إنسان، اكتشف الفنان يوسف وهبى مبكراً أنها مسرح كبير، أى أن هناك ممثلين، وهناك مشاهدون، هؤلاء الممثلون يضحكون على المشاهدين، والعكس أيضاً كذلك، هؤلاء يدركون أنهم يضحكون على هؤلاء، والعكس أيضاً صحيح، الحياة تدور دورتها، الممثلون يستفيدون، المشاهدون يقترضون، هؤلاء يؤدون أدوارهم، الآخرون يعيشون الغيبوبة، إلى آخر السيناريو.

الغريب أن بعض المشاهدين يندمجون أحياناً مع الممثلين ليس من خلال التصفيق الحاد فقط، إنما لدرجة الرقص والغناء وحفظ الحوار أو معظمه، يخرجون إلى الشارع يرددون الحوار نصاً، أيضاً يرقصون وينشدون فى الشارع ما حفظوه فى المسارح المغلقة، لا يريدون الاقتناع أنهم كانوا فى مسرحية، بمرور الوقت سوف يعيشون الحالة، أى أنهم يدركون أنها مسرحية، إلا إنه الاندماج، لم يعد هناك فرق بين الواقع والتمثيل، قد تكون حالة مرَضية، قد تكون حالة نفسية، إلا أنها فى كل الأحوال تصبح طبيعة مجتمع يعيش طوال الوقت داخل المسرح الكبير الذى عبر عنه الفنان الراحل.

المشكلة التى أرى أهمية التوقف أمامها، هى أن المجتمع قد يكون فى حاجة إلى ذلك الذى يُنفق على هذه المسرحية أو تلك، المسرحية الواحدة تتكلف أرقاماً باهظة، إعداد خشبة المسرح فى حد ذاتها ليست سهلة، البروفات، أجور الممثلين والكومبارسات والمخرجين والمؤلفين والمساعدين، الدعاية الصاخبة والمستفزة فى الشوارع دون مبرر، الدعاية التليفزيونية، حتى وقت الجمهور الذى قد يحصل على إجازة رسمية أو من رصيده السنوى للمشاركة أو المشاهدة، كل ذلك وهى مجرد مسرحية!!

المشكلة الأكثر دهشة هى موقفنا مع العالم الخارجى، عرض المسرحية بالخارج رغم تفاهتها، رغم أنها مجرد مسرحية، نظرة العالم الخارجى إلى مصر التى كانت يوماً ما أم الدنيا، أم الفن أيضاً، كان الفن المصرى يتم تصديره إلى كل دول العالم، على الأقل كل دول المنطقة، أو على أقل تقدير إلى كل الدول الناطقة بالعربية، لماذا تردى المسرح المصرى إلى هذا الحد، كانت المسرحيات فى الماضى يشار إليها بالبنان، كانت مسرحيات أيضاً، إلا أن الإخراج كان أفضل من الآن بكثير، ربما لم يكن على المستوى الذى يليق بمصر إلا أنه كان مقنعاً إلى حد كبير، أو مقنعاً لفترة من الزمن، بخلاف ما نحن عليه الآن، سنوات طويلة مضت تخيل المشاهد أن تطوراً ما قد حدث خلالها، مما جعل الانتقادات من كل حدب وصوب، من المتخصصين وغير المتخصصين، هل بسبب انعدام الخبرة، هل بسبب عدم الإعداد الجيد، هل لأن التمثيل دون اقتناع أو دون إيمان بالقضية.

على أى حال، يبدو أننا، كمشاهدين، نستحق ذلك، لم نطالب بممثلين أحسن حالاً، ولا روايات هادفة، ولا بإعداد أفضل من ذلك، ولا بتجهيز خشبة المسرح بما يليق، ولا بوقف البذخ المسرحى، ولا البذخ الإعلانى، ولا البذخ التليفزيونى، على الرغم من أن المسارح أصبحت أكثر اقتراضاً ومديونية، حتى تستطيع إنتاج مزيد من المسرحيات، كما المشاهدون مستمرون فى الاقتراض، ليس لمشاهدة المسرحيات، وإنما من أجل كوب الشاى.

إنه الاندماج المسرحى، الكل يضحك على الكل، لذا سوف نظل نطالب بتطوير المسرح والأعمال المسرحية، مصر تستحق ما هو أفضل من ذلك.

------------------------
الخبر : الاندماج المسرحى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق