عاجل

د.يحيى طراف يكتب :الإرهاب الناعم

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بينما لا تدخر الدولة اليوم وسعاً فى مواجهة الإرهاب المسلح فى سيناء وبعض جيوب الوادى مما نراه من عزم وبأس جيشها وشرطتها؛ نرى بعض المحسوبين عليها قد هادنوا الإرهاب الناعم فى قلب المدن الكبرى؛ فتركوا له الحبل على الغارب، يرتع فيها ويصول ويجول ويعيث فساداً كما يشاء.

الإرهاب الناعم هو البلطجة، التى أمست ديدن حياتنا، وتفشت واستوطنت فى شوارعنا. البلطجية عينوا من أنفسهم «منادين للسيارات» فى كل أحياء القاهرة، فاستولى كل منهم على جزء من الشارع، حجز فيه لنفسه أماكن ركن السيارات بالأحجار وإطارات الكاوتشوك وأقماع المرور، فلا يسمح إلا بركن سيارات زبائنه، أو من يدفع له المطلوب، جهاراً نهاراً، فلا يراجعه فى ذلك شرطى ولا مسؤول. وأصحاب المحال التجارية والمقاهى والأكشاك منعوا الركن أمامهم بنفس الطريقة، وأعرف مصففاً لشعر السيدات «كوافير» يحجز يومياً حوالى عشرة أماكن انتظار لسيارات زبائنه أمام محله، بواسطة أقماع المرور الحمراء، فى أزحم شوارع المهندسين، أمُرّ عليه يومياً، فلم أر يوماً سلطة الدولة تتدخل لرفع هذه الإشغالات، وتمكين المواطن من غير زبائنه من ركن سيارته.

والسكان كذلك، حذا بعضهم ذلك الحذو لحجز الأماكن لسياراتهم، ومنهم من دق الخوازيق أمام مسكنه ومد بينها الجنازير التى أحكمها بأقفال حديدية، يفتحها له البواب لدى عودته. والباعة الجائلون، وما أدراك ما الباعة الجائلون، احتلوا بعرباتهم أماكن الانتظار، ووقف بعضهم فى نهر الطريق متسبباً فى إعاقة المرور، فلم يبالِ، ولم يردعه أحد.

والسيارات أوقفها أصحابها ليلاً ونهاراً صفين وثلاثا على جانبى الطريق، فاختزلوا الشارع الواسع ذا الاتجاهين فى حارة واحدة ضيقة، يتصارع على المرور فيها القادم والرائح. وكل سائق سيارة أصبح يتوقف بسيارته حيثما أراد، ليقضى مصلحة، لا يعنيه لو كان موقفه ذلك فى نهر الطريق. وسائقو الميكروباص اتخذوا على المحور مواقف عشوائية ثابتة مستديمة فوق المنصورية وكوبرى لبنان والبالون، يقفون ليركب وينزل الركاب، حيث لا ركوب ولا نزول هناك، فيعيقون المرور أمام أعين السلطات، ولا أقول فى رعايتها.

المقام لا يتسع لإحصاء مظاهر البلطجة فى شوارعنا ومدننا؛ لكن كما قلت، فإن البلطجة هى الإرهاب الناعم الذى يتوجب على قوات إنفاذ القانون مواجهته بنفس القوة والعزم اللذين تواجه بهما الإرهاب المسلح. هناك نظرية درسناها فى المدارس اسمها «الأوانى المستطرقة» تقضى بأن مستوى السائل أفقياً يكون واحداً على نفس الارتفاع فى جميع الأوانى مختلفة السعة والأشكال، مادامت متصلة ببعضها من قواعدها. ولن يهبط ارتفاع السائل فى آنية الإرهاب المسلح للمستوى الأدنى الذى ننشده ما لم يصاحبه هبوط مماثل لارتفاعه فى آنية الإرهاب الناعم.

------------------------
الخبر : د.يحيى طراف يكتب :الإرهاب الناعم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق