حصانات وامتيازات الموظفين الدوليين

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الدكتور مفيد شهاب قدم من قبل لـ«المصرى اليوم» أكثر من مقال عن: الجوانب القانونية فى موضوع السد الإثيوبى، ودور المجتمع الدولى فى مكافحة الإرهاب، يمكن الاطلاع عليها عبر الرابط:

http://www.almasryalyoum.com/editor/details/1429

وهذه المرة يعود ليختص «المصرى اليوم» بمقال تفصيلى عن «حصانات وامتيازات الموظفين الدوليين».. وهو يتواكب مع الجدل الدائر حالياً حول حصانات نواب البرلمان

«المصرى اليوم»


قبل مناقشة حصانات وامتيازات الموظفين الدوليين، يتعين تحديد المقصود بهؤلاء الموظفين، لمعرفة الأشخاص الذين تسرى فى حقهم هذه الحصانات والامتيازات، وتوضيح واجباتهم، باعتبار أن الحصانات والامتيازات لم تتقرر ــ كما سنرى ــ إلا من أجل تمكينهم من أداء واجباتهم على الوجه الأكمل، وفى نطاق ما تستلزمه متطلبات حسن أداء الوظيفة.

■ المقصود بالموظفين الدوليين:

هم طائفة معينة من العاملين بالمنظمات الدولية «الأمم المتحدة ــ جامعة الدول العربية ــ الاتحاد الأوروبى ــ اليونسكو ــ منظمة الصحة العالمية.. إلخ»، تختلف فى صفتها ومركزها القانونى عن باقى الطوائف، وهى تتميز بأنها تتفرغ للعمل بصورة دائمة من أجل الهدف الذى قامت المنظمة لتحقيقه، وبأنها تخضع لمركز قانونى تحدده المنظمة التى يعملون بها من حيث حقوقهم وواجباتهم وحصاناتهم. ويعرف الفقه الموظف الدولى بأنه «كل من يعمل فى خدمة منظمة دولية تحت إشراف أجهزتها، وطبقاً لقواعد ميثاقها ولوائحها، من أجل القيام بوظائف لصالحها، وبصفة مستمرة، وعن طريق التفرغ».

■ واجبات الموظفين الدوليين:

تجمع كتابات الفقهاء وأحكام المحاكم الإدارية الدولية، أنه إذا كان ميثاق كل منظمة دولية ولوائحها الداخلية وعقد العمل بين المنظمة والموظف واتفاقية المقر «بين المنظمة والدولة التى تباشر اختصاصاتها على أراضيها»، تقوم بتحديد واجبات الموظف الدولى إلا أن هناك واجبات عامة تسرى فى حق أى موظف دولى بغض النظر عن المنظمة التى يعمل بها، وأياً كان نوع الوظيفة أو درجتها. ومن أهم هذه الواجبات العامة العمل فى نزاهة وحيدة واستقلال، والامتناع عن القيام بأعمال تتعارض مع طبيعة الوظيفة ومتطلباتها، وتوخّى صالح المنظمة الدولية فى كل ما يقوم به الموظف من تصرفات. وقد جرى العمل فى بعض المنظمات الدولية، عالمية كانت أو إقليمية، على أن يقوم الموظف الدولى عند تعيينه بأداء قَسَم أو توقيع تعهّد يؤكد هذه الالتزامات. ومن ذلك مثلاً التعهد الرسمى الذى يوقّعه موظفو الأمم المتحدة ونصه: «أتعهد رسمياً أن أمارس بكل ولاء وحفظ لأسرار المهنة الوظائف الموكلة إلىّ كموظف دولى بالأمم المتحدة، وأن أباشر هذه الوظائف واضعاً فى اعتبارى مصالح المنظمة دون سواها، وألا أطلب أو أقبل توجيهات من أى حكومة أو سلطة خارجية فيما يتعلق بأداء واجباتى».

وبناء على ذلك، فإنه من المُسَلّم به أن أى تصرف يقوم به الموظف الدولى، يتوخى فيه مصلحة شخصية أو يترتب عليه الإخلال بحقوق المنظمة أو مصالحها، يعد انحرافاً عن واجبات الوظيفة، موجباً للمساءلة. وبديهى بطبيعة الحال، أنه إذا شكل هذا التصرف فعلاً مؤثّماً جنائياً «سرقة ــ غش ـ تزوير ــ اختلاس.. إلخ» تتوافر فيه أركان الجريمة، فإن ذلك يعد إخلالاً جسيماً، موجباً للفصل من الوظيفة من ناحية، ولتطبيق أحكام قانون العقوبات المختص من ناحية أخرى.

ومن المبادئ المُسَلّم بها أيضاً أن الموظف الدولى لا يجب أن يشترك فى إدارة أى عمل أو القيام بأى تصرفات أو عمليات مالية لحسابه، إذا كان منصبه فى المنظمة الدولية يمكن أن يتيح له تحقيق مكاسب خاصة من وراء هذه التصرفات والعمليات المالية.

■ الأساس الاتفاقى للحصانات والامتيازات:

تقرر المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية، وبعض الاتفاقيات العامة أو الثنائية بين المنظمات الدولية ودول المقر، مجموعة من الحصانات والامتيازات التى يتمتع بها الموظف الدولى، من أجل أن يتمكن من أداء وظيفته على الوجه الأكمل، وفى جو من الثقة والطمأنينة، وبحيث يستطيع الالتزام بواجبه فى توخى صالح المنظمة فى كل ما يقوم به من تصرفات. ومن أهم صور حصانات وامتيازات الموظف الدولى الحصانة الشخصية والحصانة القضائية الجنائية والمدنية، وحرية الإقامة والانتقال، والإعفاء من قيود الهجرة وإجراءات قيد الأجانب، فضلاً عن عدد من التسهيلات المالية والإعفاءات الجمركية والضريبية.

وتستند هذه الحصانات والامتيازات إلى أساس اتفاقى. وبناء عليه، فهى تختلف من منظمة إلى أخرى، كما أنها تختلف فى نفس المنظمة من موظف إلى آخر. وهكذا يكون المرجع فى معرفة تمتع الموظف الدولى بالحصانات والامتيازات أو عدم تمتعه بها، وكذا حدود هذا التمتع وطبيعة ونوعية هذه الحصانات والامتيازات، وشروط التمتع بها، وغير ذلك من الأحكام ــ هو المواثيق الخاصة بكل منظمة: الاتفاقية المنشئة للمنظمة ــ اللوائح الداخلية ــ عقد العمل ــ اتفاقية المقر.. إلخ. وإعمالاً للقواعد القانونية العامة تتم تكملة النقص فى نصوص هذه المواثيق، وكذا تفسير أحكامها بالرجوع إلى العرف الدولى، والمبادئ القانونية الدولية المستقرة فى هذا المجال، مع الاسترشاد بما جرت عليه أحكام المحاكم الدولية والوطنية من ناحية، وبآراء فقهاء القانون العام من ناحية أخرى.

■ سند الحصانات والامتيازات أو الباعث عليها:

تستند الحصانات والامتيازات التى يتمتع بها الموظف الدولى إلى فكرة «متطلبات حسن أداء الوظيفة الدولية»، وبمعنى آخر، فإن الباعث على إقرار هذه الحصانات والامتيازات هو «صالح المنظمة الدولية نفسها». ذلك أنها لا تمنح للموظف الدولى من أجل مصلحته، وإما حتى يتمكن من القيام بواجباته على أكمل وجه. وبمعنى آخر، فإن فكرة «الحماية الوظيفية» وليس فكرة «الحماية الشخصية» هى التى تحكم موضوع حصانات وامتيازات الموظفين الدوليين، التى لا تُعتبر امتيازات ممنوحة لهم، وإنما هى ضمانات قانونية تمكنهم من إيثار صالح المنظمة الدولية على سائر الاعتبارات الأخرى. الأمر الذى يعنى أن أى تصرف يقوم به الموظف لا يبتغى فيه صالح المنظمة، لا يمكن أن يتمتع بأى نوع من الحصانة، ذلك أن الهدف من هذه الضمانات ليس هو تحقيق المصالح الشخصية للموظفين الدوليين أو إيثارهم بأى مزايا تميزهم عن غيرهم من الأفراد.

ومن هذا المنطلق، فإن من المسلم به بين فقهاء القانون الدولى أن الحصانات لا تشمل إلا التصرفات العامة والأعمال الرسمية التى يقوم بها الموظف الدولى أثناء مباشرته لأعمال وظيفته، أما التصرفات الخاصة التى يأتيها، مثل إبرامه عقود بيع أو شراء أو غيرها متعلقة بمصالحه الشخصية، وكذا ما يدخل من تصرفاته فى نطاق الأحوال الشخصية والميراث والوصية، فلا يمتد إليها نطاق الحصانات. ومن باب أولى، فإن التصرفات التى تجاوز حدود صلاحيات الوظيفة أو التى يقوم بها الموظف لتحقيق مصالح شخصية أو التى تمثل جرائم معاقباً عليها، فلا يمكن بأى حال من الأحوال أن يثور أى حديث عن الحصانات بصددها، بل إن هذه التصرفات الأخيرة لا تتفق أصلا وواجبات الموظف الدولى، المسلم بها فقهاً وقضاءً. وفى هذا المعنى تتحدث المادة ١٠٥ فقرة ٢ من ميثاق الأمم المتحدة عن تمتع موظفى الهيئة العالمية «بالمزايا والحصانات التى يتطلبها استقلالهم فى القيام بمهام وظائفهم المتصلة بالهيئة»، وتوضح الأعمال التحضيرية لهذه المادة المنشورة ضمن وثائق مؤتمر سان فرانسيسكو عام ١٩٤٥ «أن اصطلاح (مزايا وحصانات) قد استخدم بهدف الإشارة لأوضاع تعتبر لازمة لتحقيق أهداف المنظمة وحرية عمل أجهزتها، ومباشرة الموظفين لالتزاماتهم وواجباتهم المنوطة بهم فى استقلال».

أما المادة ١ فقرة ٨ من لائحة موظفى الهيئة، فتقرر صراحة أن هذه المزايا والحصانات «قد مُنحت من أجل صالح المنظمة»، وأنها «لا تزود الموظفين الذين يتمتعون بها بأى عذر من القيام بالتزاماتهم الخاصة أو فى الامتناع عن مراعاة القانون ولوائح البوليس». ولابد من الإشارة هنا إلى أن قانون التنظيم الدولى المعاصر قد أصبح يتجه ــ وبصفة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ــ نحو التضييق من نطاق الحصانات والامتيازات وقصره على ما هو لازم وضرورى فقط لمباشرة الوظيفة. ويتضح ذلك فى جلاء عند المقارنة بين نص المادة ٧ فقرة ٤ من عهد عُصبة الأمم عام ١٩١٩ الذى كان يتحدث عن «تمتع الموظفين الدوليين بالمزايا والحصانات الدبلوماسية» وبين نص المادة ١٠٥ فقرة ٢ من ميثاق الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ الذى يتحدث عن «المزايا والحصانات التى يتطلبها استقلالهم فى القيام بمهام وظائفهم المتصلة بالهيئة»، الأمر الذى يعنى اقتصارها على الحصانات والامتيازات ذات الصلة بالأعمال الوظيفية فى الهيئة.

وإذا رجعنا إلى اتفاقية مزايا وحصانات الأمم المتحدة التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ١٣ فبراير ١٩٤٦ نرى المادة ٥ فقرة ٢٠ منها تقرر أن المزايا والحصانات قد تقررت للموظفين الدوليين «من أجل مصلحة الأمم المتحدة وحدها وليس من أجل صالح الموظفين»، ثم تضيف أن «للسكرتير العام بل وعليه أن يرفع الحصانة عن أى موظف فى كل الحالات التى يرى أن وجود الحصانة بشأنها يحول دون أن تأخذ العدالة مجراها، وأنه يمكن رفع هذه الحصانة دون أن يخل ذلك بمصالح المنظمة، وبالنسبة للسكرتير العام فإن مجلس الأمن هو الذى يختص برفع الحصانة عنه». وقد جاءت اتفاقية مزايا وحصانات وكالات الأمم المتحدة المتخصصة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ٢١ نوفمبر ١٩٤٧ لتأخذ بنفس الأحكام السابقة من حيث المضمون والصياغة. كما تؤكد المادة ٢٣ من اتفاقية مزايا وحصانات جامعة الدول العربية، التى وافق عليها مجلس الجامعة فى ٩ إبريل ١٩٥٣، فى وضوح يغنى عن أى تعليق، أن «المزايا والحصانات التى تمنح للموظفين هى لصالح الجامعة». ولذلك فقد كان طبيعياً أن تقرر النصوص جواز بل ضرورة رفع هذه الحصانة إذا كان هذا الرفع هو وسيلة حماية حقوق المنظمة ومصالحها.

بل إننا إذا نظرنا ـ على سبيل المقارنة ــ إلى اتفاقيات دولية أخرى لا تتعلق بحصانات الموظفين الدوليين، وإنما بحصانات المبعوثين الدبلوماسيين وحصانات ممثلى الدول لدى المنظمات الدولية، فإننا نراها هى الأخرى تؤكد أن الحصانات لم تُقًّرر من أجل صالح الأفراد وإنما من أجل صالح الوظيفة التى يمارسونها، وفى حدود ما تتطلبه مهام الوظيفة وحسن ممارستها فقط:

١ ــ فقد جاء فى ديباجة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة ١٩٦١ بأن الدول الأطراف مقتنعة بأن الامتيازات والحصانات «لا ترمى إلى تحقيق منافع الأفراد بل إلى تأمين إنجاز مهام البعثات الدبلوماسية بشكل فعال...».

٢ ــ وجاء فى ديباجة معاهدة فيينا حول تمثيل الدول فى علاقاتها مع المنظمات الدولية ذات السمة العالمية لسنة ١٩٧٥ بأن الدول الموقعة «تنويهاً منها بأحكام المادة (١٠٥) من ميثاق الأمم المتحدة، واعترافاً منها بأن مقاصد الامتيازات والحصانات الواردة فى هذه المعاهدة لا يمكن أن تفيد الأفراد بقدر ما تُحقق الأداء الفعال لوظائفهم المتعلقة بالمنظمات والمؤتمرات..».

■ الحصانة القضائية لا تشمل إلا الأعمال الوظيفية الرسمية:

من المبادئ المسلم بها فى قانون المنظمات الدولية أن الحصانة القضائية بما تؤدى إليه من عدم الخضوع للقضاء الوطنى، لا تمتد إلا للأعمال الوظيفية الرسمية التى يمارسها الموظف الدولى المتمتع بالحصانة. وقد أكدت المادة الخامسة قسم ١٨ فقرة «أ» من اتفاقية مزايا وحصانات موظفى الأمم المتحدة لعام ١٩٤٦ هذا المبدأ، وكذا المادة ٢٨ من البروتوكول الملحق باتفاقية بروكسل عام ١٩٦٥ بشأن الجماعات الأوروبية.

وبناء على ما تقدم، فإن أى فعل يقوم به الموظف الدولى خارج نطاق الأعمال الرسمية المنوط به أداؤها وفقاً لمتطلبات وظيفته، لا يتمتع بأى حصانة قضائية، ويحاسب عليه الموظف الدولى إذا شكل إخلالاً بالقوانين المحلية.

■ الحصانة القضائية للموظف الدولى لا تجيز مخالفة القوانين المحلية أو ارتكاب جرائم القانون العام:

إن الحصانة القضائية للموظف الدولى لا يمكن أن تفهم على أنها حرية مخالفة القوانين المحلية أو أنها حرية ارتكاب الجرائم دون محاسبة عليها. إن الموظف الدولى، شأنه فى ذلك شأن المبعوث الدبلوماسى، يجب عليه أن يحترم القوانين المحلية وأن يلتزم بأحكامها.

وقد أكدت هذا المبدأ صراحة مواثيق عدة منظمات دولية ومتخصصة وإقليمية، منها على سبيل المثال المادة الأولى فقرة ٨ من لائحة موظفى الأمم المتحدة، حين قررت أن الحصانات والامتيازات المقررة للموظفين «لا تخولهم أى عذر فى عدم أدائهم لالتزاماتهم الخاصة وعدم مراعاتهم القوانين ولوائح الشرطة»، وكذلك المادة الثانية فقرة ٤ من النظام الأساسى لموظفى جامعة الدول العربية، حين ألمحت إلى أن الحصانات والامتيازات الممنوحة لموظفى الجامعة، لا يسوغ أن تكون مبرراً لامتناع الموظفين عن الوفاء بالتزاماتهم أو مخالفة القوانين والأنظمة، ولذلك فقد درجت اتفاقيات وحصانات الموظفين الدوليين على تأكيد ضرورة التعاون الدائم بين المنظمات الدولية والسلطات المحلية المختصة التابعة للدول الأعضاء، لتحقيق العدالة ومراعاة تنفيذ القوانين واللوائح، وتجنّب ما قد ينشأ من سوء استعمال الحصانات.

* أستاذ القانون الدولى

بجامعة القاهرة

------------------------
الخبر : حصانات وامتيازات الموظفين الدوليين .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق