«عبدالناصر»: الفكرة.. والرمز.. والأسطورة

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

منذ أن رحل عبدالناصر عن دنيانا فى الثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1970، لم يتوقف الجدل حول شخصيته، وحول عهده، وحول ما حفل به ذلك العهد من أحداث جسام- سلباً وإيجاباً- وذلك طبيعى. فلم يكن عبدالناصر بأى مقياس، شخصية عادية دفعت بها المقادير إلى الزعامة، وما أكثر ما فعلتها المقادير فى كل زمان، وفى كل مكان. وإنما كان عبدالناصر- وبكل المقاييس- شخصية هائلة فرضت نفسها على مجريات الأحداث فى عصرها، وتركت بصماتها، ومدت آثارها العميقة والخطيرة- ليس إلى البلد الذى انطلقت منه زعامته فحسب- وإنما إلى العالم العربى كله.. وأيضاً إلى كثير من دول العالم الثالث، إن لم يكن إلى كل العالم الثالث. ومهما يكن من أمر الجدل القائم الآن أو الذى يمكن أن يقوم مستقبلاً، حول شخص عبدالناصر.. وحول عهده.. وحول ما حفل به ذلك العهد من تغيرات جذرية وأحداث جسام- فلسوف يبقى «الرجل» بعد أى جدل وبرغم كل جدل شخصية تاريخية هائلة، ولسوف تبقى «ثورة يوليو» واحدة من أعظم ثورات العصر، إذا نحن قسناها بحجم التغييرات الجذرية التى أحدثتها فى كيان المجتمع المصرى الذى قامت منه أو بحجم التغيرات الجذرية أيضا التى أحدثتها فى كيان المجتمعين العربى والإفريقى اللذين امتدت إليهما آثارها، بدءاً من الجزائر فى أقصى المغرب ومروراً باليمن فى أقصى المشرق وانتهاءً بإفريقيا السوداء التى كانت كلها، باستثناء إثيوبيا، واقعة تحت نيران احتلال أجنبى باطش لم يكن وارداً ضمن مخططاته أن يتخلى عنها لأصحابها، لولا أن قامت ثورة يوليو واستطاعت أن تشعل النار من حوله وأن تزلزل الأرض تحت قدميه.

(«لقد كان لتلك الثورة أمجاد يستحيل طمسها أو إخفاء معالمها، كما أنها فى الغالبية العظمى من توجهاتها – كانت دواءا للكثير من أدوائنا. وليس معنى أن يكون لها أخطاء، أن ينتهز البعض كل مناسبة- وأحيانا بغير مناسبة- لكى يجردوها من معظم أمجادها أو من كل أمجادها. فإن ذلك لظلم عظيم لا يقع على ثورة يوليو بقدر ما يقع على «مصر» نفسها باعتبارها الأم الحقيقية لهذه الثورة. إن الحكم على «عبد الناصر» وعلى «ثورته» – كى يكون عادلا ومنصفا – لابد أن يقوم على أساس من تقييم موضوعى.. ودقيق.. وأمين.. لحقبة من عمر مصر، بل من عمر الأمة العربية كلها، استمرت ثمانى عشرة سنة، سقطت خلالها عهود.. وقامت عهود.. وانزاح خلالها – وإلى الأبد – حكام وحل محلهم آخرون.. وكان «للرجل» فى هذا كله أثر أو آثار».

لقد قدم «عبد الناصر» عمره فداء لـ«مصر» ولـ«العروبة كلها»، فذاب مثلما تذوب الشمعة وهو لم يزل فى الثانية والخمسين من العمر. وهو بكل المقاييس زعامة تاريخية هائلة جديرة بكل وفاء.. وبكل عرفان وكل تكريم.

وحق لا مرية فيه ولا خلاف عليه، أن «جمال عبدالناصر» قد صنع لمصر.. وللإنسان فى مصر.. بل للإنسان فى كل بلد عربى أشياءً غالية جدا.. وكثيرة جداً.. وعزيزة جداً. لقد دوى صوته فى مصر.. وفى كل بلد عربى بنداءات العزة، والحرية، والكرامة.. فنفذت نداءاته هذه إلى كل قلب.. وإلى كل بيت. لقد كان الكثيرون.. الكثيرون جدا.. يرون عند كل ضربة قاصمة يوجهها إليه أعداؤه أنه قد انتهى أو أوشك على الانتهاء. ولكن.. كان هناك دائماً شخص واحد فقط يضحك من أعماقه سخرية من هؤلاء الأعداء، واستهزاء بهم. وكان هذا الشخص الواحد هو «جمال عبدالناصر» نفسه ذلك لأنه كان يعرف نفسه كما لا يعرفها أحد من أعدائه. كان يعرف أن فى أعماقه، يعيش كل ما يعيش فى «الجبل الأشم» من صفات. كان يعرف أن المدافع قد تطلق على «الجبل الأشم» فتسقط منه قطعة.. أو تزيح بعضا من صخوره.. لكنها- أبداً- لا تزحزح الجبل من موقعه.. ولا تزيله من الوجود.

إنه لحق.. كان كالجيل الأشم. كان مثله تماماً: ارتفاعا.. وشموخاً.. وعنادا.. وصموداً.. وقدرةً جبارة على مجالدة كل العواصف.. وكل الأعاصير.. وكل الأهوال. كان صلباً.. وكان عنيداً، أشد ما يكون العناد فى الحق.. وكان يمضى إلى الحق من كل سبيل ومن أصعب سبيل. من السبيل الذى لا يخفى عليه- للحظة- أنه قد يكلفه حياته. وكان الناس.. كل الناس، أقربهم إليه.. وأبعدهم عنه.. يشفقون عليه مما كان يصنعه بنفسه وبأعصابه وبشمعة حياته التى كانوا يرون أنه يحرقها من طرفيها بغير ترفق بها ولا خوف عليها. كان الذين يتابعونه على البعد- كالذين يتابعونه عن قرب سواء بسواء- جميعهم كانوا يخافون عليه، وجميعهم كانوا يشفقون عليه من نفسه، وجميعهم كانوا يرون أنه يذوب.. وأنه يحترق.. وأنه لا يعصمه من الاحتراق دفعة واحدة سوى إيمان كإيمان الرسل بأن من يوقف عمره على رسالة يؤمن بها لا يمكن أن يحترق.. ولا يمكن أن يذوب. ويوماً بعد يوم.. وعلى مدى ثمانية عشر عاماً كاملة، أخذ «جمال عبدالناصر» يتحول عند الناس- فى قلوبهم.. وداخل عقولهم- من إنسان وحاكم إلى رمز.. وفكرة.. وأسطورة. فلم يكن فى مقدور إنسان فرد- مهما بلغ من بأس وقوة- أن يصنع كل ذلك الذى صنعه.

كل هزيمة أصابته عاد فانتصر عليها.. وكل مؤامرة حيكت له أحبطها ونفذ من خلالها. حتى الموت، هذا الجبار الذى لم يعرف أحد كيف يقهره، لم يستطع أن ينال من «جمال عبدالناصر» شيئاً. لم يستطع أن ينال منه غير جسده. ولكن «جمال عبدالناصر» لم يكن جسدا.. بل كان فكرة، ورمزاً، وأسطورة.. ولسوف يفنى الجسد فى «جمال عبدالناصر» ولكن، لن يفنى- أبداً- «عبد الناصر» الفكرة.

إن بعض المؤرخين، ولا أقول كلهم، يتخذون من «التاريخ» لعبتهم المفضلة فيحورونه، ويزيفونه بل يشوهونه- ومع سبق الإصرار والترصد- لحساب أمزجتهم الخاصة ووفقا لتوجهاتهم وأهوائهم. وأحسب أنه من هنا جاء قول المؤرخ الألمانى العظيم «إميل لودفيج»: «إن من يمسك بالقلم ليؤرخ، يجب أن يكون أكثر من إنسان».

ولكن.. لماذا يجب أن يكون أكثر من إنسان؟!

الجواب غاية فى البساطة. لأن الإنسان- أى إنسان- تحكمه فى الأغلب الأعم عواطفه، ويحكمه فى الأغلب الأعم هواه، ويحكمه فى الأغلب الأعم انحيازه وانبهاره.. أو تحامله على رجل بذاته أو على زعيم بذاته أو على حقبة تاريخية بذاتها. ولكى يأتى حكم المؤرخ على ذلك كله متجردا وأقرب ما يكون إلى «الإنصاف» وإلى «الكمال»، فإنه يتحتم عليه أن يلقى من وراء ظهره بعواطفه الخاصة.. وبأهوائه الخاصة.. وبتعاطفه أو تحامله الخاص. يعنى- ببساطة- أن يصبح كما قال «لودفيج»: أكثر من إنسان.

وليس سهلا بطبيعة الحال أن يلقى الإنسان بكل عناصر «إنسانيته» من وراء ظهره ولكنه ليس مستحيلا. بدليل.. أن الرجل صاحب تلك «المقولة» المشهورة، لم يرد نفسه عن الاشتغال بكتابة التاريخ. ومن المعروف عنه أنه صاحب واحد من أروع الكتب التى تناولت سيرة «رجل الأقدار» «نابليون بونابرت». المهم هو أن يقدر «الإنسان المؤرخ» على التجرد.. وأن يقدر على الإنصاف.. وأن يقدر على تحصين نفسه وعقله وفكره ضد «أمراض النفس البشرية».. وأعنى بها: الميل مع الهوى. أو الخضوع للحقد. أو الاستسلام لرغبة جامحة فى التحامل وفى التجنى وفى تصفية حسابات- قديمة أو جديدة- مع رجل ما.. أو مع زعيم ما.. أو مع حقبة تاريخية ما، يمثلها هذا الرجل أو ذاك النظام ذلك أن تصفية الحسابات هى باليقين كله أول الطريق إلى السقوط فى «هوة التردى» حيث يكون المرء عاجزا عن الاحتفاظ بمنطقه.. وبإنصافه.. وبعدالته- وربما أيضا بعقله – حيث إن تصفية الحسابات القديمة عملية تدخل بالكامل فى «دائرة العاطفة» ولا تدخل بأى قدر فى «دائرة العقل»).

تلك السطور هى بعض ما جرى به قلم والدى الكاتب الكبير الراحل «حلمى سلام» حين تصدى لحملات الهجوم الشرسة والظالمة التى تعرض لها «عبد الناصر» وتعرضت لها «ثورة يوليو»، حيث نجح الكثيرون من بينهم للأسف – كما كتب يقول – عدد ممن يعتبرون أنفسهم ويعتبرهم الناس «مؤرخين»، فى تغيير تاريخ تلك الثورة وتبديله وكتابته بأقلام مغموسة فى مداد الحقد والمرارة والهوى.

لقد شاءت الأقدار لوالدى أن يرتبط بثورة يوليو وأن ينتمى إليها وهى لم تزل بعد جنينا فى رحم الغيب. تعرف إلى رجالها الواحد تلو الآخر فى ظروف متباينة، ومن قبل أشخاص متباينين، وقامت بينه وبين سبع من أعضاء اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، وعلى رأسهم جمال عبدالناصر ثم محمد نجيب، صداقات حميمة امتدت أواصرها إلى سنوات قبل قيام الثورة واستمرت عبر سنوات أخرى بعد قيامها. وهو الصحفى المصرى الوحيد- كما كتب موسى صبرى يقول- الذى يستطيع أن يدعى، وبكل الصدق والحق، أنه كان على أوثق الصلات بقيادات ثورة يوليو، وعلى رأسها جمال عبدالناصر، قبل أن تقوم الثورة بزمن، كان موضع أسرارهم وقلب ثقتهم الأولى وكانوا يمدونه بالمعلومات الخطيرة التى لم يتردد فى نشرها قبل الثورة. ولو قدر لثورة يوليو أن تفشل لكان حلمى سلام هو المواطن المدنى الوحيد الذى تصل رقبته إلى حبل المشنقة أو فى القليل إلى السجن المؤبد مع قيادات الثورة.

كان لقاؤه الأول بالصاغ جمال عبدالناصر فى عام 1949. وفى نفس العام، بل فى نفس التوقيت تقريبا تعرف إلى الصاغين «عبد الحكيم عامر» و«كمال الدين حسين» ثم فى عام 1950 تعرف إلى قائد الجناح «عبد اللطيف البغدادى» وقائد الأسراب «حسن ابراهيم». أما صداقته للصاغ «صلاح سالم» فقد بدأت فى أعقاب حرب فلسطين عام 48. وقبل هؤلاء جميعا، وفى عام 1947، كان قد تعرف على «أنور السادات» وذلك من خلال قضبان قفص الاتهام فى محكمة الجنايات، حيث كان السادات يجلس داخل القفص، متهما بالتحريض على قتل الوزير السابق أمين عثمان «رجل الانجليز رقم 1» فى مصر، وكان هو يجلس فى مقاعد الصحفيين يتابع تلك القضية. أما «محمد نجيب» فيعود تاريخ صداقته الحميمة به إلى عام 1951. وقد كان والدى حين التقى بأولئك «الرجال» كاتبا معروفا وقلما بارزا بالفعل فى سماء الصحافة الوطنية الحرة «وفى مقدمة الكتاب الأحرار الذين – كما كتب رجاء النقاش يقول – «هزوا عرش فاروق وهيأوا العقول والنفوس لانهياره».

استنادا إلى علاقته الوثيقة تلك بثورة يوليو ورجالها وأيضا إلى الحقائق فى مواجهة «المزاعم» و«الافتراءات»، فند «حلمى سلام» كل أحاديث الباطل التى أخذ خصوم «ثورة يوليو» يرددونها وما زالوا وتصدى وبشدة، للتشكيك فى وطنية «الرجل» ومحاولات تجريده من كل فضل حتى فضل قيامه بتأسيس جماعة «الضباط الأحرار»، كذلك قول الكثيرين «بأنه كان يريد أن ينشئ» إمبراطورية ناصرية « تمتد من المحيط إلى الخليج» حيث أكد «أن هؤلاء ينسون- بل لعلهم لا يدركون- أن نهاية مصر إنما تكمن فى تقوقعها على نفسها- إن هى تقوقعت. أما قوتها الحقيقية.. ووزنها الحقيقى.. فمن المؤكد أنهما لا يتحققان إلا من خلال دورها العربى ومن خلال دورها الإفريقى. وهو ما فطن إليه عبد الناصر قبل سنوات طويلة.. وباشره.. وانطلق يعمل من أجله بكل قواه ضارباً عرض الحائط بسيول الاتهامات التى كانت تتدفق فوق رأسه». أدان كذلك وبعنف، كل محاولات طمس اسم «عبد الناصر» وذكراه. أيضا.. كل مظاهر الجحود والنكران التى ألمت به منذ أن رحل عن دنيانا.

مقالات كثر فى هذا الصدد إضافة لفصول أربع من مؤلف «أنا وثوار يوليو» الصادر عام 86 والذى حدثنا حلمى سلام من خلاله عن كل من محمد نجيب وعبد الحكيم عامر والسادات وعبد الناصر «الرجل الذى ولد ليكون زعيما» كما كتب يقول، هى بعض ما انطوى عليه كتاب «عبد الناصر وثورة يوليو.. فى ميزان التاريخ» الصادر عن مكتبة الأكاديمية فى يناير الماضى. إصدار حرصت على إعداد مادته وتقديمه فى الذكرى المائة لميلاد عبد الناصر وفاء للزعيم الخالد ولثورته- وبالقدر نفسه- وفاء لوالدى رحمه الله، الذى ظل ولآخر لحظة فى عمره يدافع عن تلك الثورة وعن مفجرها.. وهو حين فعل أكد أنه لا ينصب نفسه محاميا عن ثورة يوليو ذلك أنه أولا من جرحاها وهو ثانيا ممن يعترفون، وبأعلى الصوت، أن لتلك الثورة أخطاء ليس من السهل الدفاع عنها لكن الحق أحق بأن يعلو فوق الجراح ويتسامى عليها فذلك- باليقين- هو أول الطريق لاحترامنا لأنفسنا ومن ثم.. احترام الآخرين لنا.

فى ذكرى ثورة يوليو التحية للزعيم الخالد جمال عبدالناصر.. الفكرة.. والرمز.. والأسطورة.

------------------------
الخبر : «عبدالناصر»: الفكرة.. والرمز.. والأسطورة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق