عاجل

«الكِعامَة».. كيف تمنع الأغنام من الطعام والكلام؟

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

( 1 )

تلك الواقية الخانقة السميكة الخشنة، التى كان يصنعها آباؤنا على مهل فى الحقول المفتوحة على النسيم، دون أن يفكر أى منهم لحظة واحدة فى أنه يقتل البراح فى فم نعجة أو خروف شقى، يريد أن يتمرد على الجوع الذى يتعارك فى بطنه الخاوى.

كان كل صاحب قطيع من الغنم يرمى إلى جانبه كومة من ليف النخل، يلتقط خيوطًا منها، ويفتلها بعناية، ثم يفردها أمامه، ويرفع منها حبلين، فيدخل هذا فى ذلك صانعًا شبكة قوية، ويأخذ طرفيها مسافة تمتد من بوز النعجة إلى خلف أذنيها أو قرنيها إن لم تكن جلحاء، ثم يعقدها فى صرامة، ويرميها إلى جانبه، ليبدأ فى صنع غيرها.

داخل الزرائب، وقبل إطلاق القطيع إلى الحقول، تمتد الأيدى وتلبس كل نعجة شقية كعامتها، فتحيل بينها وبين الإغارة على زروع الناس، لاسيما فى أيام القحط والجوع، ولا تمنحها إلا هواء يتخلل من بين الفتحات الضيقة، فيسمح لها بشهيق وزفير يبقيها على قيد الحياة، وربما لتعلن، دون أن نعرف لعناتها، من قيَّد فمها على هذا النحو.

كان كل صاحب قطيع حريصًا على أن تكون فى بيته تلك الكعامات التى تحميه من عراك مع أصحاب زرع يانع، حين تهجم عليه الغنم الجائعة، فتلتهم منه على قدر استطاعتها، وقد لا ينفع مع بعضها ذلك الضرب المتواصل من الرعاة البغاة، الذى كان يصل أحيانًا فى قسوته وتبريحه إلى إسقاط نعجة على الأرض راقصة من الألم، حين تحط العصا بلا تحسب على كبدها، وقد تكسر لها ساقًا.

ولأن الرعاة كانوا يرغبون فى أن تبقى أغنامهم مستسلمة لمشيئتهم، وفى الوقت نفسه لا تسبب لهم حرجا قد يفرض عليهم بغتة، فقد لجأوا إلى هذه الكعامات التى تزعج النعاج فى البداية، ثم لا تلبث أن تعتاد عليها، حين تحفر لخيطها السميك الخشن مكانًا فى الوجه والرقبة. أما أصحاب الجمال والنوق فكانوا فيصنعونها أكبر، لتمنعها من العض أو مد أعناقها الطويلة إلى زروع الناس.

بعض النعاج لا ترضى بسجنها، فتتململ محاولة أن تخلع كعامتها، وتلقى بها على تراب الجسر، أو على أول الحقل الذى تنوى مهاجمته، لكن الراعى يسرع إليها لاهثًا ويعيد فمها إلى سجنه، وقد ينالها ضربًا، أو دفعًا بقسوة لتدخل فى وسط القطيع، راضية بجوعها وذلها.

لا تخلو المحاولات من نعجة أو خروف ذكى، وأكثر حكنة، فلا يسعى إلى خلع الكعامة، إنما يمد لسانه محاولًا أن يباعد بين ضفتى إحدى فتحتيها، ويمد أسنانه كى يقرض طرفها على مهل، فلما يتحقق له ما أراد، تولد الفرصة كى يهاجم أى حقل يواجهه بينما القطيع يمضى.

لكن المحاولة التى قضى فيها المسكين أيامًا، وربما أسابيع، سرعان ما يتم كشفها، فيرتق الراعى الكعامة، بل يحكم إغلاقها هذه المرة، ويضيق جوانبها، ولا يترك للخروف المتمرد سوى فتحة واحدة أمام منخريه، وإلى أعلى قليلًا، فيمضى بين النعاج يلهث فى أول الطريق من فرط الجهد الذى يبذله فى سبيل شفط قليل من الهواء، ليدخله إلى رئتيه.

اليوم لم يعد فى قريتى قطيع واحد، بقيت فقط نعجات متفرقات فى بعض حظائر البيوت، وكل فلاح بات بوسعه أن يطلق ابنه الصغير كى يسيطر على نعجة واحدة أوعنزتين تنطلقان فى البكور من البيت إلى الحقل.

الذى بقى فى رأسى هو ذلك المشهد الذى رأيته ذات يوم حين كنت أراقب قطيعًا كبيرًا يتدفق سريعًا نحو مرعى بعيد، وبينما توزع الرعاة أمامه وخلفه، كان فى المنتصف خروف ضخم يحاذى نعجة سمينة جلحاء، ويمد قرنه إلى كعامتها الضيقة التى كانت قد وُضعت حديثًا فى فمها، وجرحت خطمها فتقاطر الدم منه، وينغز جانبه فى هدوء، محاولًا أن يخلعه هنا. كان يعافر ويقاوم أجساد النعاج والخراف التى تزاحمه دون أن تدرى بما يبعده قليلًا عنها، لكنه لا يلبث أن يعود، مادًا قرنه وهو يلصق رقبته برقبتها، حتى نجح فى نزع الكعامة، لتدوسها أقدام الأغنام وهى تتقدم فى سلام نحو المراعى الخضراء.

( 2 )

جاء فى قواميس العرب ومعاجمهم أن الكعامة هى ما يوضع فم الحيوان لئلاَّ يعَض أَو يأكل.

وفى الحديث: دخل إخوة يوسف، عليه السلام، مصر وقد كَعَمُوا أفواه إبلهم. وفى حديث على، رضى الله عنه: فهم بين خائفٍ مَقْمُوع وساكت مَكْعوم. وقال ابن برى: وقد يجعل على فم الكلب لئلا ينبح. وأَنشد ابن الأَعرابى: «مَرَرْنا عليه وهْوَ يَكْعم كلبه.. دَعِ الكَلبَ يَنبَحْ إنما الكلبُ نابح». وكَعَمه الخوفُ: أمسك فاه. وأنشد الشاعر ذو الرمة: «بَيْنَ الرَّجا والرجا مِن جَنْبِ واصِيةٍ.. يَهْماءُ خابِطُها بالخَوْفِ مَكْعُومُ.»، أى أن الخوف قد سد فمَه فمنعه من الكلام.

------------------------
الخبر : «الكِعامَة».. كيف تمنع الأغنام من الطعام والكلام؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق