د. أمانى فؤاد تكتب: غابة عفن تعلو سطح الحياة

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

قَررتُ أحد النصوص الروائية الحديثة على طلبة الدراسات العليا، وبعد انتهائهم من قراءتها وجدتهم يقولون لماذا لا يَسرد الروائى القصة مثل بقية الروايات، ولماذا تلك الصعوبة فى بنيتها الفنية؟ فبدأنا نقاشا متشعبا نتحدث فيه عن اتجاهات الرواية المعاصرة والتجريب الذى طرأ على بنيتها فيما بعد الحداثة. المدهش فى الأمر تلك الذائقة النمطية التى اعتادت شكلا كتابيا واحدا، التلقى التقليدى الذى يَشعر بالصعوبة والغربة تجاه أى اختلاف عما اعتاده.

هى الواحدية والثبات وتأبيد الأشكال النمطية، أخطر العيوب التى أصابت الأكثرية بالفقر الذهنى من مناهج التعليم المصرى المغلقة، وعقلية من يقومون عليها، وينتقون مادتها لتعوق كل تطور نأمله.

وهو الأمر الذى لا ينفصل عمَّ تحدثت عنه فى المقال السابق من الزواج غير الشرعى بين الحكم السياسى المطلق وكافة التيارات الدينية: المؤسسية، وغيرها التى تضخمت بمصر فى القرن الماضى، لقد صنع هذا التحالف الأسود مجموعة من الظواهر التى أسفرت نتائجها عن غابة زيف وعفن تكسو حياتنا بكل مظاهرها.

لقد أنتج افتقاد الحريات السياسية وسياسة الترهيب الدينى انعدام المبادرات الفردية، وهما الجذر الأول والأساس وراء فساد وتراجع منظومة التعليم المصرى مع مجموعة من العوامل التى ترتبت عليهما.

فكثيرا ما كرر السياسيون أنهم مع الديمقراطية، لكن الواقع يشى بمهارتهم فقط فى صياغة الجمل الرنانة التى تسكَّن الشعوب، ولو بحثنا عن مدى حقيقتها لوجدناها جوفاء قد فُرغت من محتواها، فيظل الجميع أنصاف فاعلين، نفعل بمقدار منطوق الكلمات فقط. كما يفخر رجال الدين أيضا أنهم يدرّسون فى مناهجهم الاختلافات المذهبية لإيمانهم بالتعدد، يعرضون للاختلاف بين المذاهب وكأنهم يرصدون ظواهر، وتاريخها، وتحولاتها، وليس فلسفة الاختلاف ذاته، والحاجة إليه، وضرورة تشجيعه لدفع الجرأة على اقتحام مشكلات العصر، ومواكبة المتغيرات الحديثة.

ولذا يضيع جهد الدارس وينحصر فى ماذا قال السلف وكيف فسروه، يقف عند النقل والبحث فى العنعنة، فى شرح المتون، ثم شرح الشروح.

ولذا أتساءل: ماذا يتبقى من قدرة الدارس على الاجتهاد، والتعبير بالأصالة عن نفسه وفكره بعد أن أُنهك فى اجترار الماضى الذى يضفون عليه صبغة القداسة، ملوحين دائما بالإمساس؟

كما أن مناهج التعليم العام لا تختلف كثيرا عن هذا النمط الذى امتد تأثيره على الأكثرية من خلال سيطرة خطاب مهيمن أخذ صفة القداسة لدى العوام لأنه يصدر من الشيوخ وينتشر بالجوامع.

أكاد أُجزم أنه لا شىء يبقى، لانحصار هذا المنهج فى إطار دائرة محددة، يدور الجميع فى محيطها ولا يهيئون وسائل الخروج عنها، فيهيمن على السطح ضجيج بلا طحن، صخب بلا فكر، وجود بلا تطور.

فى حين تُحفز مناهج التعليم الحديثة قدرة الفرد على أن يفكر، لا أن يردد أو يقارن بين اجتهادات الآخرين فقط، أن يُزج الفرد بغمار المشكلة ليبتكر وجهات نظره ورؤيته، أن يطلق لخياله وفكره العنان مستعينا بالأسس العلمية الحديثة، فيخرج عن الإطار الذى أوجده السابقون، ويقدم إضافته الخاصة التى تتسق مع المعاصرة.

نتيجة لهذا النمط السياسى والدينى وتأبيد ما كان والإصرار على حضوره بكل تفاصيله ساد الركود وشُلَّت الحركة فى ذات المسافة الخانقة الضيقة التى طبعت كل أداءات المجتمع ومؤسساته وأكثر مواطنيه، فصار الجميع مدعيا: فى السياسة، والتدين الشكلى، حالة من الزيف السائد، فأنتجت هذه التوجهات فئات كبيرة من البشر ارتاحوا لعدم بذل الجهد وركنوا للتنميط، لللافعل. كما ظهرت المدارس الخاصة أيضا بمصروفاتها الباهظة مع المرحلة التى عاد فيها المصريون من عملهم بالخليج، فاجتمعا سويا، جشع رأس المال فى المنظومة التعليمية، مع مفاهيم سطحية تلقينية بلا تفكير عقلانى، وهو ما أفسد التعليم الخاص والحكومى معا، نتيجة لأداء القائمين عليه لتأثرهم بالثقافة العامة المزيفة بالمجتمع ومظاهره الطبقية.

إعادة تأهيل المدرس المصرى ثقافيا وليس مهنيا فقط، ورفع مستواه المادى هو البداية لخلق منظومة تعليم حقيقية بهذا الوطن.

------------------------
الخبر : د. أمانى فؤاد تكتب: غابة عفن تعلو سطح الحياة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق