عاجل

نحن غرابا عك

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لماذا لا نسمى الأمور بأسمائها ونقيم للمال وثناً يشبه «هبل»، نطوف حوله ونرفع إليه الصلوات ونقدم له القرابين؟ أليس ما يحدث أن البشر، معظم البشر، يعبدون المال حرفياً؟ ما أصدق التعبير القرآنى معبراً عن حال البشر حين قال «وتحبون المال حباً جماً». لقد وقفت طويلاً أتأمل كلمة «جمّاً». أظن أنها لم تتكرر فى القرآن. ولكنها ترسم ظلالاً من الحب الشديد، الحب الذى يستغرق القلب ويحرك الفكر ويشغل البال.

إننا فى كل لحظة نتحدث عن الأخلاق والروح ومادية العالم ولكننا فى سعينا المحموم وراء المال نكذّب كل ما قلناه. لا أقصد السعى، فهذا بشرى وطبيعى وإلا فمن أين نأكل، ولكننى أقصد انشغال القلب وتطلع العين. نحن نطوف حول وثن المال فى حياتنا كل يوم، فلماذا لا نكون صرحاء مع أنفسنا فنحرق له البخور.

وأظرفهم فى رأيى، وأكثرهم خداعاً للنفس هؤلاء الذين يكتسبون عيشهم من التعبير عن بؤس الفقراء. المخرج اللوذعى، القاطن فى منتجعات التجمع الخامس، والذى لا يأكل إلا فى أغلى المطاعم وأرقاها، ويسافر إلى باريس عدة مرات سنوياً، كل ذلك بسبب أفلامه التى يخترق فيها أحياء الفقراء ويصور همومهم، ويقنعهم- هم لا غيرهم- بأن ما هم فيه هو الجدعنة بعينها، وأن هؤلاء الأغنياء القاطنين فى كوكب آخر يعانون التفسخ والتحلل والأرق والعبث والرغبة فى الانتحار.

وهذا الصحفى اللامع، الذى أصبح نجماً إعلامياً على الماشى، والذى كنا نظنه حبيب الفقراء فتبين أنه حبيب الأجهزة! ها هو ذا يقطن فى قصر منيف، مِمَّ؟ من يساريته الجريئة التى تنحاز للفقراء وتعبر عن همومهم!

وذلك المذيع، الذى يتقاضى عشرة ملايين سنوياً منذ قبل نشوب الثورة، ويبح صوته ويتحدث بحزن شديد وهو يفيض فى وصف البؤس الذى يتجرعه الفقراء. فيالهم من بارعين! ويالنا من فاشلين لا نستحق الحياة أصلاً.

نحن غُرابا عك. عك.

لبيك هُبل..

أحيانا أتساءل: هل كان اختراع النقود ضرورياً؟ ألم يكن ممكناً- من الناحية النظرية فحسب- أن تتوصل البشرية مع تطور حضارتها وتعقد العلاقات بين طبقاتها، إلى وسيلة أكثر رحمة وأكثر إنسانية وأكثر عدلاً من اختراع النقود؟ وحتى لو كانت النقود حتمية فقد كان ممكناً أن تكون أكثر رحمة. والدليل أننى شاهدت شذرة من حياة الطبقة الوسطى، قبل توحش الشركات العابرة للقارات، لم تكن للنقود تلك السطوة، ليس لزهد الإنسان فيما تمثله النقود من قوة شرائية وقدرة على تحقيق الأحلام، وإنما بسبب العدالة الاجتماعية وتقارب الطبقات. لكن أسوأ ما حدث، منذ لحظة انكسار الباب فى منتصف السبعينيات، هو تلك الخلخلة الطبقية التى صاحبها تطلع الطبقات المحرومة، ومن ذلك الوقت نشبت النار التى لا تريد أن تنطفئ.

ولقد كان قلبى ينكسر كلما رأيت بؤس الفقراء فأهرع إلى الأدب محاولاً أن أستلهم منه مساراً آخر للبشرية. ماذا لو أخذ الجميع المال بالقدر الذى يغنيهم؟ لكننى كنت دائماً حين أمد الخيط إلى آخره أجده ينتهى إلى النتيجة نفسها. لو أعطينا جميع البشر المال بوفرة فربما ستتوقف الأعمال، بل ربما لن يجد الناس طعاماً يأكلونه.

الحقيقة المؤسفة أن استمرار الحياة يعتمد فعلاً على وجود طبقة فقيرة، محتاجة للقمة العيش، ومستعدة فى سبيلها أن تقوم بالأعمال الدنيا. فهل سيأتى على البشر حين من الدهر يحدث التساوى بين أنصبة الناس؟ فى الجنة إن شاء الله.

------------------------
الخبر : نحن غرابا عك .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق