لم يمدد قدميه فى وجوهنا!

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فقد قدميه ولم يفقد روحه، فقد قدميه ولم يسخط، ولم يلعن، ولم يكفر بالعلم، فقد قدميه وذهب يبحث عن تعويض، بتصميم أكيد على العودة إلى سيناء طالباً الشهادة فى نفس المكان، دفاعاً عن الأرض والعرض، عن أغلى اسم فى الوجود.

النقيب «محمود عصام الكومى» فقد قدميه فى انفجار بالعريش، يخبرنا: «كل من يعمل فى سيناء ينال شرف خدمة مصر، لأنه يحب البلد دى بجد». أن تحب البلد بجد هذا هو الدرس، شرطى فى شرخ عمره 29 عاما، كان يمشى على قدميه بين الناس، فخوراً بين أهله، محبوباً بين ناسه، فرحاً بوليده «مصطفى» لم يكمل عامه الأول، ينفجر لغم فى جسده، يكلفه قدميه، وعينيه، تتفجر فى نفسه كل طاقات الحب لهذا البلد.

لم يمدد قدميه فى وجوهنا استكباراً، عجباً لم يخلف اللغم ألماً فى نفسه، ولا كرهاً، ولا حقداً، ولا مرارة تغلف كلماته، ألمح ابتسامة الرضا فى صورته المنشورة تنطق بالفداء، سر الابتسامة هو سر بقاء هذا البلد واقفاً على قدميه، وكأنه يقف على قدمى النقيب «محمود الكومى» وزملائه، ومحمود راضٍ أن تكون قدماه مدفونتين هناك فى سيناء، فى تراب هذا الوطن، سيزور قبرهما حتماً، قطعة من جسده مدفونة هنا، وأبى ضحى هنا وأبى قال لنا مزقوا أعداءنا.

«محمود» قطعية تانية، من ضلع وطنى، شباب جسور، منهم من قضى نحبه شهيداً، ومنهم من ينتظر الشهادة، شهداء أحياء، لا يعرفون الخوف، ولا الرهبة، يعرفون فقط الشهادة، وفى نفوسهم إصرار، وفى قلوبهم إيمان بالله والوطن، ترهبون به عدو الله وعدوكم.

رغم عظم التضحيات، ومواكب الشهداء تمر أمام أعينهم، لا هانوا ولا استهانوا، لم يماروا فى ضريبة الوطن وغيرهم يمارى فى دفع الضرائب وهم فى أَسِرَتِهم الدافئة، ناس تدفع عمرها فداء، وناس تدفع عمرها لهدم الوطن.

«محمود» لم يَمِن علينا بقدميه، ولم يطلب ثمناً لتضحيته، ولا غرّد بقضيته، ولا اصطنع هاشتاج ببطولته، ولم تتدافع الفضائيات لمسك سيرته، ولا ذهب كائن فضائى إلى أسرته، تركوه جميعا يلملم جراحه، مشغولين بألعاب الهواة فى السيرك الوطنى المنصوب على مواقع التواصل الاجتماعى.

«محمود» جريح، وهذا مقموص، وهذا غضبان، وهذا وهذه وهؤلاء، لم يتوقفوا هنيهة أمام وطن تتكالب عليه الأكلة تكالبها على قصعتها، لم يتوقفوا أمام تضحيات وشهداء، يتقاتلون فيما بينهم، و«محمود» يواجه الموت فى صحراء قاحلة، ينفجر اللغم فى قدميه، تطير اليمنى لأعلى، تبتعد اليسرى بعيداً، يصرخ من شظية تنغرس فى عينه، يغيب عن الوعى، يموت بدل المرة ألف مرة وهو يعافر متشبثاً بالحياة، وما إن يفيق ويتحسس فقد ساقيه، يبكى حباً لمصر، يجفف دمعه، ويطلب العودة إلى سيناء.

«الكومى» يقول لكم، قدمى فداء، عينى فداء، خدوا المناصب والمكاسب ولكن بربى خلوا لى الوطن، مَن يفتدى مصر، صوت «محمود» يزلزل الكيانات الوهمية، والحسابات الفيسبوكية، والتريندات التويترية، «محمود» لم يحسبها قبل الذهاب إلى سيناء، لم ينشغل عن وطنه بحكى كوسخ الودان، ولم يجلس أمام فضائى يعسعس فى الوجدان، ولم ينم بعد أن يدون كراهيته لوطنه، ولم يدع دوراً، ولم يصطنع بطولة، ولم يسخر من إعاقة نائبة، ولم يبحث عن لايكات رخيصة بمواقف بغيضة.

النقيب «محمود الكومى» لم يهرب من قدره، ولم يبحث عن واسطة اتقاء لخطر محدق بزملائه، هو منهم، شهداء وهم أحياء، لم يقدم جنوده فى مواجهة الخطر، ولا اتخذ منهم ستاراً بشرياً، الشهداء فى سيناء من مختلف الرتب، جنود صف ضباط، من الجيزة إلى أسوان، من الغربية وحتى رشيد، ومن خط القنال، تشكيلة من الأسود التى ترابط فى الصحراء، فى رباط إلى يوم الدين.

------------------------
الخبر : لم يمدد قدميه فى وجوهنا! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق