بكائيات «جويدة» و«يوسف» على أطلال القومية العربية

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى مقاله الرائع فى عدد الجمعة، 31 يوليو 2020، بجريدة «الأهرام» تحت عنوان «العروبة.. بين الحلم والحقيقة» يُعبّر شاعرنا الكبير عن لوعته وألمه لما سماه عالم السياسة اللبنانى الأمريكى فؤاد عجمى «خسوف القومية العربية»، وكان ذلك منذ ثلاثين عاماً. وكان مقال فؤاد عجمى بداية سيل من كتابات لآخرين من كبار المستشرقين، مثل برنارد لويس وصمويل هنتنجتون، وغيرهما، والذين تحدثوا فيها عن صدام الحضارات، وتحديدا بين الحضارة الغربية، وكل من الحضارتين العربية- الإسلامية، والصينية- الهندوكية.

ولكن بعيداً عن المستشرقين، وإن فى سياق متصل، يُعبّر شاعرنا فاروق جويدة عن ألمه لعدم التضامن الأوثق للعرب مع ما دأبوا أن يصفوها بالشقيقة الكُبرى مصر، فيما تواجه من أخطار وجودية على حياة مائة وخمسين مليوناً من المصريين والسودانيين، بسبب التعنت الإثيوبى فيما يتعلق بملء سد النهضة، وعدم استجابتها للرجاءات المصرية بمجرد التنسيق فى إدارة مشروعهم العملاق، حتى لا تؤدى قراراتهم الأحادية إلى الإضرار بحياة المصريين والسودانيين، وخاصة فى سنوات الجفاف التى لا تتساقط فيها الأمطار على الهضبة الحبشية، بمعدلاتها المعتادة.

يقول شاعرنا فاروق جويدة: «لم أكن أتصور أن تمر أزمة سد النهضة، وهى أخطر ما يواجه مصر والسودان فى العصر الحديث، دون أن يكون هناك موقف عربى مع مصر تستخدم فيه الدول العربية كل مواقفها وإمكانياتها لوقف هذا التهديد الخطير الذى يُهدد حياة الملايين فى مصر والسودان. هناك علاقات قوية جداً بين إثيوبيا وعدد من الدول العربية، وهناك مصالح واستثمارات مع دول أخرى، وهناك أوراق كثيرة تملكها الدول العربية. ولكن الشىء الغريب أن تقف مصر والسودان وحدهما فى هذه المعركة التى تُهدد مستقبل 150 مليون مواطن ما بين القاهرة والخرطوم. كان سد النهضة يحتاج إلى قمة عربية تصل بالعلاقات مع إثيوبيا إلى أبعد مدى، حتى إذا وصل الأمر إلى قطع العلاقات وسحب السُفراء، وإعادة الاستثمارات العربية التى أقيم بها السد، وهى واضحة ومعروفة.. كان الموقف العربى شيئاً غريباً فى مجريات الأحداث. فقد وقفت مصر والسودان وحدهما دون دعم من الدول العربية الشقيقة فى هذه الأزمة».

ربما كان وارداً أن يتذكر فاورق جويدة، وأن يتذكر قُراؤه أن أول قمة عربية انعقدت فى منتصف ستينيات القرن الماضى، بدعوة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لأسباب مُشابهة تماماً، وهى خطط إسرائيل لتحويل مجرى نهر الأردن، للاستفادة من كل المياه لاستزراع صحراء النقب، وحرمان الأردن من حقوقها الطبيعية والتاريخية فى مياه ذلك النهر، الذى كان ينبع من الأراضى السورية.

وأظن أن عتاب فاروق جويدة فى محله تماماً، خاصة أن معلومات بدأت تتواتر من عِدة مصادر، عن مساهمات تمويلية عربية لسد النهضة الإثيوبى. هذا فضلاً عن مساهمات تركية وإسرائيلية، وأخرى أوروبية، وروسية، وصينية، وأمريكية. إننى لست من أصحاب نظرية المؤامرة فى العلاقات السياسية عموماً، والدولية خصوصاً. ولا أعتقد أن كل الأطراف الدولية السبعة التى تساهم فى بناء السد، وتوريد التوربينات العملاقة التى ستولد الكهرباء المطلوبة لإضاءة الريف الإثيوبى، المتخلف مائة عام عن نظيره المصرى، وخمسين عاماً عن نظيره السودانى، بقصد الإضرار بمصر أو السودان. وكل ما هنالك أنها تبحث عن مصالحها.

وهى جميعاً تتسابق لإرساء قواعد قوية لها فى القارة الإفريقية، والتى تمثل إثيوبيا واحدة من أهم أربعة بُلدان محورية فى إفريقيا. فكما أن مصر هى البلد المحورى فى شمال القارة، وجنوب إفريقيا البلد المحورى فى جنوبها، ونيجريا فى غربها، فإن إثيوبيا هى البلد المحورى فى شرقها. وهى مدخلها للبُلدان الآسيوية الصاعدة: الصين والكوريتين، واليابان، وماليزيا، وإندونيسيا، والهند، وباكستان، وإيران.

إن شاعرنا الكبير، وقبله بعِدة أسابيع باحث السياسة د. أحمد يوسف يتذكران بألم ولوعة خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حينما كانت القومية العربية والحركة الوحدوية متوهجتين. وإذا ألمت مُصيبة فى المغرب الأقصى تداعى لها العِراق بلبيك لبيك واعُرباه. نعم لقد كُنت ربما أصغر من جويدة بسنوات قليلة، وأكبر من أحمد يوسف بسنوات قليلة أيضاً، ولكنى عشت معهما تِلك الحقبة الذهبية فى تاريخنا العربى الحديث، وسمعنا شحرورة لبنان تُغنى «م الموسكى لسوق الحميدية، أنا عارفة السكة لوحدية». وكذلك فهد بلان وهو يُطربنا بأغنية «أنا جالس فوق الأهرام، وأمامى بساتين الشام». وطرب العرب جميعاً للأوبريت الجماعى: وطنى حبيبى. الوطن الأكبر.

بل إن نسينا لا ننسى أن التحرشات التركية بسوريا، للضغط عليها للانضمام إلى حِلف بغداد، فى منتصف الخمسينيات، كانت الدافع الرئيسى وراء الرحلة المفاجئة لشباب الضُباط السوريين إلى مصر، والضغط على الرئيس جمال عبد الناصر للتعجيل بتوقيع اتفاق الوحدة بين البلدين، فيما عُرف من 1958 إلى 1962 بالجمهورية العربية المتحدة، أو (UAR) United Arab Republic.

تلكم يا أخى فاروق هى حقبة أحلامنا الرومانسية الكُبرى لوحدة ما يغلبها غلاّب. ولكن أخطاءنا من ناحية، وشدة مكر أعدائنا من ناحية أخرى، أدت إلى سلسلة من التراجعات والهزائم التى أجهضت أحلام جيلين كاملين، توارت معهما مفاهيم العروبة والقومية والوحدة العربية، وانكفأ كل شعب عربى فى قُطره، بلا أحلام، ولا ينشد إلا أساسيات الحياة، من مأكل ومشرب وملبس والستر من عِند الله. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وعلى الله قصد السبيل..

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    95,147

  • تعافي

    50,553

  • وفيات

    4,971

------------------------
الخبر : بكائيات «جويدة» و«يوسف» على أطلال القومية العربية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق