الفئران لا تعرف التراكم

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أبدأ بمدخل قد يراه البعض خفيفاً لا يتناسب مع غلظة ما نعاصره من أحداث وهموم، وقد يراه آخرون باباً من الكتابة يجب ألا يضمر أو يختفى.

وعادة ما يتحفنى السيد أحمد لطفى، الفيزيائى وخبير الطيران، وأيضا الكاتب والقارئ، بفيض معلوماته، وعندما شكرته على ما سبق أن أرسله حول قضية قبح البذاءة، رد وهو يحاول التواضع، فقال إن ما كتبه هو قطرات فى نهر ما أكتب، ومن فورى رددت على البريد الإلكترونى «إن النهر بغير القطرات هو مشروع مستنقع»!

فى المقال الفائت أشرت إلى «دوخة البلجيكى»، التى نصف بها من يلف ويدور بحثاً عن شىء، أو للوصول إليه، وهكذا كان حالى فيما أبحث عن مثوى صحراوى قريب من القاهرة، وقلت إننى لا أعرف من أين جاءت تركيبة «دوخة البلجيكى»، فما كان من السيد أحمد لطفى إلا أن عاجلنى بإجابة أظنها سليمة وشافية، إذ أشار إلى أن دوخة البلجيكى جاءت من المسار الدائرى الذى كان يسير فيه الترام بالإسكندرية، وكان الترام مصنوعا فى بلجيكا، وحمل اسمها تمييزا له عن ترامات بجنسيات أخرى، وقال إنه كان مطليا باللون الأصفر، ولذلك ظل الإسكندرانية يسمونه «التراماى الصفرا»، وصار له قرابة نصف قرن يجرى ببطء شديد كالسلحفاة العجوز، مخترقا أكوام الزبالة وعشوائيات المرور، ويقتصر مسار ذلك الترامواى الآن على حيى محرم بك وعرفان، مرورا بمحطة مصر، وانتهاء بالمنشية والأحياء التى يطلق عليها الإسكندرانية «بحرى»، ابتداء من شارع محمد كريم، مروراً بسيدى المرسى أبوالعباس والإمام البوصيرى «الأباصيرى»، ثم أحياء السيالة والأنفوشى، وانتهاء بحدائق رأس التين.. ثم أضاف السيد أحمد لطفى معلومة أخرى عن أصل كلمة «الزوفا» أو «الزوفة» التى نستخدمها بالعامية للدلالة على الكثرة العشوائية، ونسبها إلى ما جاء فى كتب الطب القديمة لعلماء كـ«ابن النفيس» الذى وصف النباتات الطبية وميّز فيها بين أدوية مفردة وأخرى مركبة تتكون من عدة مكونات، وشاع اسمها الفارسى «الاقربازين»، وكتب ابن النفيس مقالين عن نبات اسمه «الزوفا» بصنفيه «الرطب، والجاف»، وهو حشائش تتمدد أغصانها على الأرض بكثافة ملحوظة، ونظرا لصعوبة تقدير كمية حشائش الزوفا وصعوبة وزنها وتحديد مقدارها كان يتم التعامل معها بالجملة وبغير تقدير دقيق.. يعنى بـ«الزوفا»، والشكر موصول ومؤكد لصاحب المعلومات المفيدة التى أضحت نادرة، إذ كثيرا ما نردد مصطلحات وتركيبات لغوية عامية أو فصحى فى أحاديثنا اليومية دون أن نعرف أصلها، مثلما كتبت من قبل عن تعريف الكعب والكوع والبوع والكرسوع، والفرق بينها، ومثلما هو أصل عبارة «سلقط وملقط» عندما نبحث عن شىء ولا نجده، وأصلها أن أعرابياً اشترى جرة «زلعة فخارية» ممتلئة عسلا وعاد لمنزله وأخذتها زوجته وخزنتها، وبعد فترة طلب منها أن تأتيه ببعض من العسل، وإذا بها تميل الجرة فتجدها فارغة.. وهاج الزوج وماج وصاحت المرأة: لا أعرف أين اختفى، إنه «ما سال قط، وما مال قط» فصارت سلقط «سال قط» وملقط «مال قط»، إذ لم يعرف الاثنان أن العسل قد يتحول إلى سكر فيلتصق بالوعاء ولا يسيل.

ومن الخفة إلى الغلظة إذ يحتدم تقطيع الهدوم بين «الينايريين» وبين «اليونيويين»، وبينهما وبين آخرين لا يعتدّون لا بيناير ولا بيونيو ولا حتى بأى شهر من شهور السنة الميلادية، وهو أمر أراه متسقاً تماما مع ما نشاهده ونتابعه ويضنينا الآن.. متسقا مع تقطيع الأعناق بين السنة والشيعة.. ومع تفجير الأشلاء بين الدواعش والناس، ومع تمزيق الخيوط بين دعم مصر والمستقلين والأحزاب فى مجلس النواب، ومع الصراع الدموى بين «النقل أم مقطورة» و«التريللا» وبقية ذوات الأربع عجلات من ميكروباصات وملاكى وذوات الثلاث من تكاتك، وحتى صرنا نحتل المركز الأول فى العالم فى عدد ضحايا حوادث الطرق، ولله الحمد أن صرنا «الأول» ولو بالأشلاء والدماء!

ناهيك عن القسمة الخبيثة التى وزعتنا بين مدنيين وعسكر، وعن المبارزات الوهمية التى تتم بسيوف من صفيح بين من ينبشون فى الركام للكلام عن الوقائع التى حدثت فى أربعينيات القرن السابع الميلادى.. هل هى غزو أم فتح أم احتلال؟.. أى عن دخول العرب المسلمين لمصر! وكذلك الحال عن المسجد الأقصى.. هل هو ذلك المشهور المتعارف عليه فى مدينة القدس التى اسمها عند اليهود أورشيلم، أم هو بناء آخر فى مكان بين المدينة ومكة؟ وهل هو أكذوبة أموية أم هو حقيقة أجمعت عليها الملايين؟!

فإذا أضفنا لكل ما سبق خناقات الإخوان الإرهابيين داخل صفوفهم.. وخناقات السلفيين بين حزبيين وجهاديين، وخناقات الناصريين، وخناقات الماركسيين والاشتراكيين، وخناقات مذيعى التوك شو، والمفاضلات بين محلب وخلفه، وما ظهر مجددا حول تخطيط من شفيق وعنان للتحرك ضد 30 يونيو فى 30 يونيو، لأدركنا أننا فى حالة الدراسة التى حكت عنها الحكاية التى تقول إن والياً فى زمن عتيق نادى وزراءه وطلب إلى كل منهم أن يأخذ «شوالا» فى الصباح المبكر ويملأه بمائة فأر ثم يعود مع الغروب، وعادوا جميعا خائبين إلا واحداً منهم.. وسأل الوالى كل من وصل: لماذا لم تجمع ما أمرتك به؟ فكان الرد الموحد: كلما وضعنا فأرا فى الشوال تمكن من قرضه وتمزيقه والهرب. حتى عاد الغائب يحمل على ظهره حمولته مكتظة حتى حافتها بالفئران، فسأله الوالى: ماذا فعلت؟ فأجاب ببساطة: أمسكت بالفأر الأول وصرت أرج الشوال حتى داخ تماما، فأمسكت بالثانى واستكملت الرجرجة وهكذا حتى ملأته، وكانت الفئران تظن أن كلاً منها هو المتسبب فى دوخة الآخر فاشتبكت فى شجار متبادل استمر حتى انتهيت من مهمتى. وعندها رد صاحبنا: أصبت وأجدت.. فهكذا تُحكم الشعوب!

وفى حالتنا أظن أن هناك إرادة، أعتقد جازما أنها إقليمية ودولية، عرفت أن عرب الإقليم جميعا ومصر أيضا لابد أن يتم التعامل معهم بطريقة الشوال والفئران، ولذلك وبصدق شديد أقول: كان الله فى عون من يقود البلاد الآن وهو يحاول الخروج من مأزق التناحر والاختلاف!.

على ذلك فالسؤال الغليظ هو: متى نتخلى عن تحويل المحروسة إلى شوال ضيق؟ وكيف نرفض أن نكون فئراناً داخت فاشتبكت وانهالت على بعضها البعض عضا وتمزيقا، وأصابها ما أصابها لأنها لا تعرف معنى التراكم فى الخبرات، ولا التكامل فى الأدوار، ولا الفرق بين اكتمال مقومات الانفجار وحدوثه وبين توظيف الطاقة الناتجة عنه؟ إذ كان ما جرى فى يناير انفجارا اكتملت مقوماته، ولكن قفز من وظف الطاقة الناتجة فى اتجاه آخر تماما.

الفئران لا تتراكم خبراتها، وإن ثبت أنها تتعلم من الارتباط الشرطى.

a_algammal@yahoo.co.uk

------------------------
الخبر : الفئران لا تعرف التراكم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق