عاجل

«لبان» بنكهة الابتسام

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

من وقت لآخر، يضفي الإنسان لمسته المادية على العبادات، مثلا اخترع «السبحة»؛ ليستخدمها في الذكر، ثم طورها إلى الخاتم الذي يحصي التسبيحات. وصنع سجادة صلاة مثبتًا بها بوصلة للتحقق من اتجاه القبلة... وهكذا. كثيرًا ما أتمنى لو أن هناك وسيلة مادية تساعد على البشاشة. أليست الابتسامة عبادة؟، صحيح أنها لا تقام لها الشعائر في المساجد، ولا يلزمها وضوء أو إحرام، لكنها سنة نبوية وعمل صالح كالصدقة تمامًا.

أرى في العبادات جانبًا بدنيًّا يصحب المعنى الروحي، في الحج والصوم والصلاة يؤدي الجسد أفعال الإقامة والامتناع، وتساعده الروحانيات في ذلك، أو حتى العكس، فمن لا يصلي بروحانية عالية يمكن تؤدي إقامته لأركان الصلاة حركيا إلى تحفيز شعور الخشوع لديه بقدر قليل أو كثير. لكن البشاشة روحية تماما، ترجمتها البدنية ليست سوى حركة عضلتين في الوجه.

من السهل جدًّا أن تبتسم، ومن الصعب جدًّا أن تجيد الابتسام. إنه يستلزم لياقة نفسية، تجعلك قادرا على القيام بحركات الرضا والاستيعاب والحلم والتسامح. يزعجني أن قول قوم سيدنا شعيب- عليه السلام- له: «ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز». كلماتهم تثير الغضب أو الشفقة على الذات، لكنه لم يغضب بالدرجة التي تجعله عنيفًا، أو يشفق على نفسه لدرجة إبعادها عن الآخرين، إنما وقف يرد عليهم بكلمات موزونة وعبارات قوية تشرح دعوته. أو سيدنا موسى- عليه السلام- الذي يعايره فرعون بكفالته له «ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين» ويزيد ملمحا لحادثة قتله المصري «وفعلت فعلتك التي فعلت»، بل يتهكم على نسبه غير المصري وعدم طلاقته الكلامية ويسميه «هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين». فلا ينصرف النبي، إنما يواصل حديثه.

المناسك قابلة للقضاء، تفطر يوما فتصوم غيره، تؤخر زكاة، فتخرجها، تؤخر صلاة فتؤديها، وفي جميعهم تستغفر.. تعتذر لله الكريم بضعفك، وهو يقبل معذرتك. وحتى في سلوكك مع الآخرين غالبًا ما تستطيع تداركه بالاعتذار إليهم. تستطيع أن ترد للمظلوم حقه، وأن تنشر محاسن من تعديت عليه بالغيبة. حتى من ساء سلوكك معهم وفارقوا الدنيا، من رحمة الله أنه يمكنك الاعتذار لهم وهم في دار الحق بالتصدق عنهم. لكن كيف تعالج التقصير عن الابتسام؟ هل تقول لأحدهم «سامحنى يا أخي، كنت متجهمًا في وجهك دون سبب»؟.

الحقيقة أنني فعلتها عدة مرات مع بعض الصديقات المقربات، وكان ردهن: «هل كنت متجهمة؟ لم ألحظ ذلك أصلا!». ربما كان ردّهن بهذه العبارة اللبقة غرضه إنهاء الموقف، أو أن الابتسامة باتت أمرًا استثنائيًّا نلاحظه، وما عداها تعبيرات طبيعية. ولو أن الأمر كذلك، فنحن في ورطة كبرى! التجهم أول أعراض الألم النفسي، إذا لم يلحظه الآخرون فمعنى ذلك أننا سنظل نتألم دون أن يظن أحدهم أننا بحاجة للمساعدة، أو لن يعرف المقربون أننا في ضيق إلا عندما يتصاعد الأمر لحد البكاء مثلًا.

الأشخاص ذوو الوجوه السمحة غالبًا ما يصيبهم إحساس الذنب إذا لم يكونوا على مستواهم المعتاد من البشاشة، يظنون أنهم تسببوا في إيذاء الآخرين بالظهور أمامهم في حال بائس، بالتالي يفضلون العزلة وقت الأزمات. هكذا أفعل أنا، لكن الرسل لم يفعلونا ذلك. ظل سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- ضحاكًا بسّامًا بعد أن عايره القوم بفقدان الولد وسموه «الأبتر»... لعل جوهر المسألة أن الله قدر كل شيء، الله هو من قدر أن يهبه الأبناء، وهو قدر وفاتهم، وهو أيضًا من قدّر معايرة المشركين له، وأن الرضا عن الله يجعل المرء يتقبل كل القدر، فلا يظل لديه شيء يمنعه أن يبتسم.

لا أدعي قدرتي الدائمة على فعل ذلك، لذلك فكرت في «لبان» الابتسامة!. لو أن هناك علكة تباع على أرصفة محطات المترو وأمام دور العبادة، تتناول واحدة منها في بداية اليوم، بحيث تصل عملك وقد اكتسبت عضلتا الابتسام مرونة تجعلك هاشًّا باشًّا دون عناء. يمكن أن يتطور الأمر بعد ذلك، مثلًا يصير هناك لون لكل علكة، الحمراء لابتسامات الحب، الصفراء للابتسامات في المناسبات الرسمية، والخضراء تعطي نتائج جيدة للساعين إلى ابتسامات الارتياح النفسي... سوف نحمل كثيرًا من هذا «اللبان» في حقائبنا، يكون موسم حلوى المولد النبوي في شهر من العام، وموسم «لبان» الابتسامة بقية العام. لماذا لم تنتج الصين شيئًا كهذا؟!

------------------------
الخبر : «لبان» بنكهة الابتسام .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق