فى ذكرى شهيد السلام يوسف السباعى

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتبت: لوتس عبدالكريم

كلما حلَّت الذكرى طازجةً نقيةً عطرةً، كأنها بالأمس القريب، تكون ذكرى لكل من أغدق العطاء، وبذرَ الحَبَّ، وبذَلَ الحُب، فكيف بمن كانت حياته كلها حُبًّا وبذلا وعطاءً، حتى استُشهد فى سبيل ذلك.

كيف يمكن لمن كانت حياته كلها أنموذجًا من الصعب أن يُحتذى فى أقصى ما يمكن أن يُوصف به إنسانٌ من الجمال والاكتمال، أن يظل فى ذاكرة مُحبِّيه عزيزًا فى الممات، كما كان فى الحياة.

هكذا تحِلُّ الذكرى حاملةً مئات الذكريات وأحداث الليالى والأيام، كأنه ما فارقنا، ولا مضت كل تلك السنوات الطوال.

إن صوته ونبراته ما زالت كما هى تنساب فى رقة الأحاديث والنصائح بل الأوامر، التى تنضح بالحب والإنسانية.

لقد كان مثالا نادرًا للخير لا يُنسى، ولا تُمحى ذكراه أبدًا.

فهذا الرجل قد ترك بصمةً فى الزمان، وخلَّفَ جُرحًا غائرًا، لا يداويه مرور الوقت، ولا يصلح معه نسيان.

ولأن هذا الرجل هو الأديب المحارب الذى أطلقت عليه أول رصاصة إسرائيلية عام 1948، على أرض فلسطين، قد قُدِّر له أن يموت بعد ثلاثين عاما بثلاث رصاصات فلسطينية.

الإنسان الذى لم يكره أحدًا، أصابته رصاصاتٌ لم يستفد منها أحد، فكان الحدث فريدًا من نوعه.

وتمر تسعة وثلاثون عاما على رحيل شهيد العدالة والفن والأدب والثقافة والحق والحرية وقضايا الإنسان بشكل عام، فارس القلم والسيف، الذى سقط بعيدًا فى بلدٍ غريبٍ، وهو يدافع عن قضية الإنسان، حيث قتلته رصاصاتٌ غاشمة غادرة، عاش مُحاربًا ومات مُحاربًا، لكنه لم يمُت فى سمع أو بصر الزمن، وكان كعنوان كتابٍ له «أقوى من الزمن»، بابتسامته ومبادئه وبقوة إيمانه، هذه الأشياء الثلاثة التى لا تزول أبدا من خيالٍ كل من عرفه أو عاشره.

فكان يسخر من الموت، ومن الحياة، وكانت له فلسفة خاصة، وروايات، وتاريخ عريض، لقد صنع يوسف السباعى هذا التاريخ وهو يكتب لمصر القصة والرواية منذ السادسة عشرة من عمره، فى الزقاق والدرب، فى الهزيمة والنصر، وتَرْجَمت كتاباته عشق مصر، التى حمل من أجلها السلاح كضابطٍ فى قواتها المسلحة، كما حمل راية الفن والأدب، ولواء الدعوة للتضامن الآسيوى الأفريقى، وحمل- أيضًا- مسؤولية الدفاع عن حرية الكاتب فى كل مكانٍ من الوطن العربى.

ويصل يوسف السباعى إلى مرتبة الفيلسوف الشعبى، كأنه يريد إيصال هذا المعنى إلى العامة ؛ لذا فقد راجت رواياته وقصصه على الصعيد المصرى والعربى؛ لرؤيته السياسية والاجتماعية، كما تُرجمت إلى إحدى عشرة لغة أجنبية مختلفة.

فهو صاحب الرواية الواقعية التى تحمل العظة والعبرة والمعنى العميق منذ الكلمة الأولى، وقد التهم الشباب المتعطِّش للمعرفة، تلك الأهداف خُصوصًا من خلال تحويل أعماله إلى السينما والإذاعة والتليفزيون والمسرح، فكان من أغزر كُتَّاب مصر إنتاجًا، كما أن أيَّة مؤسسة أدبية قائمة فى مصر اليوم يرجعُ الفضل فى وجودها وحياتها إلى يوسف السباعى.

لقد عرفت يوسف السباعى فى مرحلةٍ مبكِّرةٍ من الصبا، وكانت كثيرات من فتيات مصر عاشقات لكتاباته، من خلال رواياته: «رُدَّ قلبى»، «بين الأطلال»، «إنِّى راحلة»، ومرَّت الأعوام والتقيت به وبأسرته فى لندن، حيث كنتُ أقيم كزوجةٍ لدبلوماسيٍّ، وتوثَّقت أواصرُ الصداقة هناك، وتكرّرَت الزيارات، ورأيت لونًا آخر من وجوه يوسف السباعى كربٍّ للأسرة.

وأصبحت أسرة يوسف السباعى جُزءًا من حياتى، وكان كثير الأسفار، وكُنَّا ننتقل من بلدٍ إلى آخر، فكانت زياراته لنا تتكرَّر، حتى آخر زيارة فى روما، حيث كان زوجى سفيرًا هناك، وكان يعتبرنى واحدةً من أسرته، فكان يوجِّه لى العبارات القاسية أحيانًا، واللوم الشديد حرصًا على مصلحتى.

فحكاياته وفلسفته وحكمته، وقلبه الكبير، وابتسامته المشرقة أضاءت جلساتنا وحياتنا.

كثيرًا ما بكيتُ له، وغرق معى فى أحزانى ومشكلاتى، إذ كنت أهرع إليه فى المقطَّم حيال كل عقبة أو مشكلة أو موقف صعب، حيث الدَّوحة، دوحة الجمال والحب، وواحة الأمان والراحة، منزل يوسف السباعى، والسكن الهادئ المطمئن، والأسرة الوادعة الطيبة، أقضى بينهم ليلةً أوليالى، أنفض همومى، ويعود إليَّ هدوئى، واستكانة نفسى، والفضل له، فقد طبع أهل المنزل بطابعه فى الحكمة والمرح، فأصبحوا كيانًا واحدًا من العقل والرقة والمشاركة والإحساس، وكانت هذه الدوحة ملتقىً للكثير من الأدباء والأصدقاء، فقد التقيتُ فيها ومعه بأبرز أعلام الفكر والأدب والفن والسياسة: ثروت عكاشة، إحسان عبدالقدوس، أنيس منصور، فاتن حمامة، ماجدة، نجاة الصغيرة، و...

كنتُ أحاول أن أتعلَّم الكثير من حكمته وتفكيره المتزن، فكان يقول لى: (الحياة حلوة، وإن المرارة فى أفواهنا نحن، ومن كانت المرارة فى فيه ؛ فإنه يجد مرًّا به الماء الزلال، والحياة سهلةٌ لمن لا يركب الصعب، مستقيمة لمن لا يعوج أو يلتوى، هنيَّة لمن يخلص، ليِّنة لمن يؤمن)، ويقول أيضًا: (خيرٌ لنا أن نحب ما نوهب من أن نبكى على ما ضاع)، وأذكر أيضًا أنه كان يقول لى دائمًا: (إن السعادة ليست كما تنتظرونها وتفكرون بها إنما هى عبارة عن فتافيت يومية لا نلتفت إليها، مثل كتابٍ شائقٍ، أو حمَّامٍ ساخنٍ، أو فنجان من القهوة المضبوط، عطر وردة، صديق أو نزهة إلى آخره).

وأراه ماثلا أمامى يحادثنى، وينصحنى أو ينهرنى أو يربت على كتفى، فحواراتنا كانت كثيرةً، ونقاشاتنا عنيفة أو هادئة كانت أكثر، وآراؤه العاقلة الرصينة كانت تُحدِّد مسار أيامى.

فلا أنسى كلماته حين يجدنى مُحبطةً يائسةً، فيقول: (اعملى زى التعلب لمَّا لم يصل إلى العنب فقال عليه إنه حصرم وانصرف).

وأذكر كلمات له بكل رومانسيته قالها فى واقعيةٍ قاسيةٍ: (الحب وحده لا يصلح أساسًا للزواج).

والغريب أنه ختم حياته بـ«العمر لحظة»، (لحظة واحدة تعادل العمر كله، ورب لحظة كيومٍ ويوم كعامٍ وعام كدهرٍ، لحظة واحدة هى ذخيرة الحياة وما بعد الحياة، لو كانت هناك بعد الحياة حياة).

ولم يكتب كاتب أو أديب عربى عن القضية الفلسطينية مثلما كتب يوسف السباعى، حيث دافع عن الفلسطينيين فاغتالوه، وفى مقال له بعنوان «وثبة شجاعة عبر جدار الشك» كتب «إن القضية الفلسطينية هى جوهر المشكلة، ولا سلام بغير الفلسطينيين، ويجب الاعتراف بحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، والعودة إلى أرضه، وإقامة دولته».

وفى رأيى أن الرئيس القبرصى كبريانو الأسبق يتحمَّل مع حكومته مسؤولية اغتيال يوسف السباعى، سواء من الناحية الجنائية أو من الناحيتين الأخلاقية والسياسية، وهو أيضًا مسؤول عن المذبحة الرهيبة التى وقعت على أرض لارنكا، عندما أطلق جنود الحرس الوطنى القبارصة اليونانيون ومجموعة الفدائيين الفلسطينيين الرصاص على ظهور أفراد قوة الكوماندوز المصريين، جنود مصر التى قدمت الكثير من أجل وحدة شعبى قبرص واستقلاله، وكذلك من أجل فلسطين.

الآن وبعد تلك السنوات الطُوال، أكتب عن يوسف السباعى، النجم الذى أفل فى ذُروة نوره، والنهر الذى نضب فى قمة فيضانه، والعمر الذى ذوى فى أوج اكتماله وقوته، لقد كان وزيرًا للثقافة حتى آخر أيامه، ولو تجسَّدت الثقافة فى إنسانٍ ؛ لكانت هى يوسف السباعى عقلًا وقلبًا ورُوحًا وعلمًا وسلوكًا وخُلُقًا.

loutskarim@hotmail.com

------------------------
الخبر : فى ذكرى شهيد السلام يوسف السباعى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق