أول بروفة حقيقية للثورة

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لا يأتى الإنسان إلى هذه الدنيا لكى يموت بل ليحيى ويتعلم ويأخذ العبر، وكثيرة تلك الدروس التى يمكن أن يستوعبها الإنسان من التاريخ، ولو وعى الرئيس الأسبق مبارك أن لمعاناة المصريين حدودا لتعلم من أحداث يومى 18 و19 يناير عام 1977 وتجنب الثورة التى اندلعت ضده بداية من يوم 25 يناير عام 2011، فمن لا يقرأ التاريخ لا يدرك أن وعيه بدروس الماضى سيعينه على التكيف مع الحاضر واتقاء مخاطر المستقبل، ولو وعى أى حاكم أن سياسة القروض لا تدفع بعجلة التنمية ولا تخفف معاناة المواطنين ولا تحل أزمات اقتصادية، لما عاد لممارسة تلك السياسات العقيمة التى تسببت فى احتلال مصر عام 1882 وكادت تسقط عرش السادات فى مثل هذه الأيام عندما اندلعت انتفاضة الخبز يومى 18 – 19 يناير عام 1977، لأن الاعتماد على سياسة القروض هذه سيدفع حتما للمزيد منها وبالتالى ستزيد الديون وفوائدها كما سيزيد التضخم وسترتفع الأسعار وسيتضاعف السخط الجماهيرى إلى حد قد يصعب السيطرة عليه. بنهاية حرب أكتوبر 1973، ينجح الرئيس السادات ونظامه فى خداع قطاعات واسعة– بما فيها القوى الوطنية– بأوهام سياسة الانفتاح وإمكانية تدفق مليارات الدولارات لخزينة الدولة، نتيجة الاستثمارات الوافدة وما سيترتب عليها من رخاء ورفاهية ورفع مستوى معيشة الفرد وامتلاك كل شاب لفيلا وعربية وتليفون خاص و.. و.. إلا أن هذه الأوهام سرعان ما تحطمت فوق صخرة التجربة العملية بعد أن تكشف لعموم المصريين أن مثل هذه السياسة لم ولن تخدم سوى مصالح حفنة من أصحاب الملايين الجدد، خاصة بعد أن ارتفعت تكلفة المعيشة فى الفترة من 1973 إلى 1976 بنسبة 42% وخلال عام 1976 وحده ارتفعت بنسة 11% بينما بلغ التضخم حوالى 37% ليسقط نتيجة ذلك حوالى 44% من الشعب المصرى تحت خط الفقر، ولم يعد بحوزة الناس سوى الغضب الذى سرعان ما يولد، وقلما يتحول إلى بركان إلا عندما يفيض الكيل ويضيق الناس بصبرهم وهو ما حدث يومى 18– 19 يناير عام 1977 عندما خرج الناس لأول مرة بعد نجاح حركة الضباط الأحرار بمظاهرات عاصفة فى كل المدن المصرية فى وقت واحد وعلى قلب رجل واحد، تردد نفس الشعارت وتدعو لنفس المطالب ولأول مرة يفرض حذر التجوال فى مصر وتنزل القوات المسلحة إلى الشارع ويسقط خلال يومين طبقا للبيانات الرسمية التى صدرت وقتها عن الحكومة المصرية حوالى 79 قتيلا و215 جريحا.

سبق أحداث هذين اليومين بيان أعلنه الدكتور عبدالمنعم القيسونى نائب رئيس الوزراء ورئيس المجموعة الاقتصادية ألقاه مساء يوم 16 يناير 1977 أمام مجلس الشعب، ووضح فيه قيام الحكومة باتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية الحاسمة الهادفة لخفض العجز فى ميزان المدفوعات وذلك برفع الدعم عن مجموعة من السلع الضرورية مثل: «الخبز بنسبة 50% والسكر بنسبة 25% والشاى بنسبة 35% بالإضافة إلى رفع أسعار 35 سلعة أخرى لا يستطيع الفقراء العيش بدونها بحد أدنى 20% مثل: «الزيت والصابون والعدس والفول والسجائر والبنزين واللحوم البيضاء والحمراء.. إلخ» لحظتها استولى الغضب على الأفئدة وضاعف منه ذلك التناقض الرهيب بين ما كان يتوقعه الناس وما فوجئوا به، فالرخاء الذى وعد به السادات فى كل خطبه إذا به معاناة، ورغد العيش حل محله ارتفاع سعر رغيف العيش، وأحلام الشباب فى غد أفضل أصبحت مرهونة بشروط البنك الدولى الذى فرض على مصر كى يقدم لها قروضا تعينها على تجاوز أزمتها الاقتصادية أن تضع على كاهل المواطنين ما يقرب من 500 مليون جنيه سنويا.

وماذا يفعل المعدمون عندما يجدون أنفسهم وجها لوجه صرعى الحاجة والحرمان؟ فى صبيحة يوم 18 يناير يخرج الطلبة والعمال فى مظاهرات عاتية بدأت بالقاهرة ثم انتشرت فى كافة أنحاء الجمهورية وبحلول الظهر ينضم إليها أبناء المناطق الشعبية وعشرات من العاطلين والأحداث وأولاد الشوارع وصغار الحرفيين وحديثو الهجرة من الريف، ومع تقدم ساعات النهار كانت الأعداد تتزايد والهتافات تتعالى: «سيد مرعى سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه» يقصدون سيد مرعى رئيس مجلس الشعب وقتها «مش كفاية لبسنا الخيش جايين يخدوا رغيف العيش.. هو بيلبس آخر موضة وإحنا بنسكن عشرة فى أوضة يا حكومة هز الوسط كيلو اللحمة بقى بالقسط»، مع حلول السادسة مساء، تخرج المظاهرات فجأة عن سلميتها بعد أن انطلقت مجموعات لحرق بعض أقسام الشرطة ومديرية أمن القاهرة وحتى استراحات رئيس الجمهورية من الإسكندرية إلى أسوان مما اضطر السادات الذى كان موجودا باستراحته بأسوان إلى إلغاء اجتماع له كان مقررا مع هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى ولم يكن اليوم التالى بأحسن حال من سابقه مما جعل مصر كلها عرضة للفوضى وعرش السادات عرضة للسقوط، لولا تراجع حكومته عن تلك القرارات التى صنعها البنك الدولى وكاد السادات ونظامه يدفعان الثمن غاليا.

------------------------
الخبر : أول بروفة حقيقية للثورة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق