الإمام الهجَّاص المِهياص الشهير بـ«محمد عبده»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ مقولة الشيخ حسن العطَّار - أستاذ رفاعة رافع الطهطاوى ومحمد عياد الطنطاوى: «إن بلادنا (مصر) لابد أن تتغيَّر أحوالها، ويتجدَّد بها من المعارف ما ليس فيها»، ونحن لا نراجع أو نغيِّر أو نسعى إلى التجديد، أو نذهب نحو المعرفة الحقَّة، أو ننفض الأزهر مما علق به من خرافاتٍ وأباطيل أتت عبر «الوهابيين المصريين»، الذين سافروا إلى العمل فى الجامعات «السعودية»، وعادوا بـ«فكر» جديد، يناهض ما درسوه واعتقدوه، وما تعلَّموه، لكأنهم سافروا وعادوا؛ ليبثُّوا فى نفوس طلابهم وناسهم، ما رأوه أنه الحق والحقيقة، مع أن الأزهر – طوال تاريخه – كان ضد المذهبية، ومع التعدُّد والتنوُّع، وهناك اجتهاداتٌ كثيرةٌ لشيوخه فى هذا الشأن.

ولم تأت هذه المقولة من عابرٍ، أو رجلٍ عادى، أو مجرَّد مسلم مهتم بشؤون دينه ودنياه، بل كان حسن العطَّار (1766م / 1180 هـ) - (1835م / 1250 هـ) شيخًا للأزهر، وهو من أصولٍ مغربيةٍ، أيام كان الأزهر منفتحًا على كل العلماء دون تمييزٍ فى الأعراق والأوطان.

وكان من أوائل من تحدثوا عن تطوير وتحديث الأزهر وإصلاح شؤونه ومناهجه، وطوال عمله شيخًا للأزهر (خمس سنوات)، كان مستنيرًا مناديا بالتغيير، داعيا له، إذ كان يمتاز بمرونةٍ وسماحةٍ، وكان واسع الاطلاع يستحق لقب عالم بالفعل (وليس على طريقة كبار العلماء فى أيامنا هذه)؛ إذ كانت لديه معرفة عميقة بالعلوم والمعارف الأخرى، وليس مقتصرًا فقط على العلوم الشرعية، وكان يجمع بين الثقافة الشرقية والغربية، وهو من أقنع محمد على والى مصر بإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا؛ ليتعلم المصريون العلوم الحديثة فى العالم، وطلب منه أن يكون تلميذه الطهطاوى إمامًا لأعضاء البعثة، يقول عنه على مبارك (١٨٢٣- ١٨٩٣ميلادية) فى كتابه المكوَّن من عشرين جزءًا، وصدر سنة 1306 هجرية، (الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة): «إنه جد فى التحصيل، حتى بلغ من العلم فى زمنٍ قليلٍ مبلغًا تميز به واستحق التصدى للتدريس ولكنه مال إلى الاستكمال، واشتغل بغرائب الفنون والتقاط فوائدها كالطب والفلك والرياضة)، وإن لم يسلم من سُخط العلماء والفقهاء والشيوخ عليه، الذين ارتضوا بالانغلاق على أنفسهم، وعاشوا على الهوامش وشرحها، ولم يذهبوا إلى المتون؛ لينظروا فيها، ويقدموا رؤاهم وفكرهم.

فهل إصلاح الدين يمكن أن تقضى عليه العمائم، كما أشار إلى ذلك «شعرًا» الإمام محمد عبده (ولكنَّهُ دينٌ أردتُ صلاحهُ.. أحاذرُ أن تقضى عليه العمائمُ)؟.

سؤال طرحه إمامٌ، وفقيهٌ، وأزهرىٌ عتيدٌ، ومُفتٍ أسبق للديار المصرية (تم تعيينه فى الثالث من يونيو سنة 1899 ميلادية)، وبلغ عدد فتاواه 944 فتوى، غيَّرت الكثير من وجُوه الحياة فى مصر، أى أنه من «أهل البيت»، ومع ذلك وجَّه انتقاداتٍ حادةً للأزهر، وصلت إلى أن وصفه بـ«البيمارستان» و«الإسطبل» و«المخرُوب»، لكن أوصافه للأزهر لم تجعله يسلم من التهجُّم عليه، وسبِّه وسبّ أمِّه بأقذع الشتائم من زملائه الأزاهرة ؛ لأنه كان يدعو إلى التحرُّر والتنوير، ومُراجعة مناهج الأزهر «لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسُّط أحدٍ، لا من سلفٍ ولا من خلف» (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، الجزء الثالث، الصفحة 582).

ووصف الأزاهرة (زميلهم الأزهرى) محمد عبده بـ«المِهْيَاص الهجَّاص» بدلا عن أن يجادلوه ويُحاججُوه ويناقشوه، كما صدر كتابٌ ضده يحمل عنوان (كشف الأستار فى ترجمة الشيخ الفشَّار)، وهذا يؤكد لنا أن الأزهر عندما يصطدم بـ«شيخ متحرِّر»، صاحب عقل، ورؤية مغايرة، ويسعى إلى التجديد، يكفِّره ويسبُّه، وحديثًا يفصله من الجامعة، إذا كان عضوًا فى هيئة التدريس، كما حدث من قبل مع الدكتور (الأزهرى أيضًا) أحمد صبحى منصور، بمعنى أن دعوات التنوير التى تخرج من أبناء الأزهر يكون مصير أصحابها شن حملات منظَّمة ضدهم، واضطهادهم، وطردهم، وتجريسهم، والتشنيع عليهم بما ليس فيهم، واتهامهم بالكُفر والمروق والخروج من الدين.

ولم يخش محمد عبده أحدًا، وواصل صراعه حول إصلاح الأزهر، ومات الشتَّامون دون أن يذكرهم أحد، وبقى الإمام بعلمه وفكره وكتبه ورسائله وفتاواه، وهذا يؤكد لنا – أيضًا - أن أصحاب الألسنة الطويلة، هم من قصار القامة، وقليلى القيمة، ولنا أن نتأمل هذا الحوار الذى دار بين الإمام محمد عبده وبين الشيخ البحيرى، عضو مجلس إدارة الأزهر، وأحد رافضى إصلاح البرامج التعليمية للأزهر، فى اجتماع المجلس.

- الشيخ محمد البحيرى: إننا نعلّمهم كما تعلَّمنا.

- الشيخ محمد عبده: وهذا الذى أخافُ منه.

- الشيخ البحيرى: ألم تتعلَّم أنتَ فى الأزهر، وقد بلغتَ من مراقى العلم وصرتَ فيه العلم الفرد؟

- الشيخ محمد عبده: إذا كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر، فإننى لم أحصّله إلا بعد أن مكثتُ عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة. (الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، الجزء الثالث، ص: 194)

كأنهم لم يدركوا ما قاله الإمام على بن أبى طالب: (لا تربوا أبناءكم كما تربيتم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم).

ahmad_shahawy@hotmail.com

------------------------
الخبر : الإمام الهجَّاص المِهياص الشهير بـ«محمد عبده» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق