على سالم.. حالة مصرية

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

على سالم (١٣ يناير ١٩٣٦ـ ٢٢سبتمبر٢٠١٥)، كان يحب أن يعرف بـ«الكاتب المسرحى على سالم»، وكنت أرى فى هذا، وصفـا غير كاف للتعرف عليه. كان الأصدقاء يقدمونه لأى وافد جديد بأنه على سالم.. مؤلف أشهر مسرحية فى تاريخ المسرح العربى «مدرسة المشاغبين» فيصحح قائلا: «إعداد وليس تأليف».. مضيفا أنها ليست أفضل أعماله، ويستطرد ذاكرا بعضا من أعماله المهمة، مثل مسرحيات الفصل الواحد ومسرحية «عفاريت مصر الجديدة»، و«بكالوريوس فى حكم الشعوب». فى العام ١٩٧٠ عرفته فى مسرح محمد فريد، أثناء بروفات «أنت اللى قتلت الوحش»، التى هى رؤيته الساخرة لمسرحية «سوفوكليس»، «أوديب ملكا». كان نجما متألقا، فقد كان ثلاثى أضواء المسرح، قد قدموا بعضا من مسرحياته. ومنذ ذلك اليوم البعيد وحتى يوم رحيله، لم يتغير سلوكه الإنسانى فى التعامل. على سالم.. «أبو علوة» ـ كما كان يحب أن ينادى ـ يتعامل مع الجميع بنفس البساطة والاحترام، الوزير مثل الغفير، صديق كل حرافيش القاهرة.. حالة فريدة، شخصية شديدة الثراء فى جوانبها المتعددة. بعض من أعماله، أضحت جزءا مهما من تراثنا المسرحى، خاصة مسرحيات الفصل الواحد، مثل «البوفيه».. «الكاتب فى شهر العسل».. «المتفائل».. «بير القمح». على سالم، متعدد المواهب، خاض تجارب عديدة.. الإخراج.. التمثيل.. الإنتاج، كاتب مقال صحفى، وقبل كل ذلك، هو أظرف الظرفاء، «الحكاء الأول»، ذو قدرة غير عادية، على جذب أسماع وأبصار الحضور أيا كان مستواهم الثقافى أو الاجتماعى. أدعى أننى، ولحسن حظى قد جلست مع الكثيرين من أعلام الظرفاء، فى مصر فى العقود الأخيرة، من أهل القلم والفن ومن غيرهم، ومن مختلف الأجيال ولكننى أضع «أبو علوة» فى مقدمتهم إذ تتميز روح الفكاهة والسخرية عنده، بالبعد عن الإسفاف والإيلام، هى السهل الممتنع. لقد كانت موهبته الفياضة الممتزجة بإنسانيته الرقيقة الراقية، لا تجعله «معذورا فى إيفيهات تضحك بأى تمن»، وكانت هى السياج الحامى له، من الانحطاط واللجوء إلى «إيفيهات رخيصة». كان يعلم جيدا أن لكل مقام مقالا. لقد كانت صحبته ومجالسه متعة لا تعدلها متعة.

رحلة إلى إسرائيل

بعد توقيع اتفاقية «أوسلو»، ودخول ياسر عرفات إلى غزة، تصاعد الأمل لدى الكثيرين ـ من غير أتباع «صدام» و«القذافى» ومن لف لفهم ـ فى إمكانية اتساع رقعة السلام فى المنطقة. وهنا قرر الطفل الفضولى داخل على سالم، فى العام ١٩٩٤، زيارة إسرائيل، يريد أن يتعرف على المجتمع الإسرائيلى ويدعو للسلام ويتعرف على أنصاره. حاول بعض أصدقائه إثناءه، ولكن هيهات، اقترض من الصديق «محمد درويش»، وأعد سيارته الـ«نيفا» وانطلق إلى إسرائيل.

عاد على سالم من رحلته، وأصدر كتابا، يصف فيه تلك الرحلة، بأمانة ودقة. الغالبية العظمى من أصدقائه وزملائه، قاموا بمقاطعته، بل وازدرائه، فى كل مكان وفى كل مناسبة، وبدون مناسبة أيضا. قامت نقابة المهن التمثيلية بفصله وحرمانه من عضويتها (كان عضوا بثلاثة شعب)، قام «اتحاد الكتاب» بفصله، وحرمانه من المعاش. رفع قضية على اتحاد الكتاب، كسب القضية، ثم ترفع عن تنفيذ الحكم. كان محاصرا، محاربا فى رزقه من المنتجين والمخرجين، ومن كافة مسارح الدولة وصحفها وتليفزيونها، ومن المسمين «مثقفين» و«فنانين». المبدع نسيج وحده، أبو البنات الثلاث، يتم «قطع عيشه»، لأنه، له وجهة نظر سياسية مختلفة عنهم، لأنه مؤمن بأن السلام الحقيقى والتعاون وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، هو فى صالح عشرات الملايين من أبناء بلده، أصدقائه، بسطاء الناس، ولكافة شعوب المنطقة.

أشاعوا كل أنواع الشائعات المغرضة.. «عميل الموساد».. «بيقبض من إسرائيل».. «عنده أسطول سيارات أجرة».. إلخ. فى واقع الأمر، لم يكن له مصدر دخل فى سنواته الأخيرة إلا مصدرين، يقينا. منذ عدة سنوات، ومع إحكام حصاره، قمت بالجمع بينه وبين الكتاب الأصدقاء الأعزاء، أحمد عدنان ومشارى الزيدى، فعاد للكتابة فى جريدة «الشرق الأوسط». كذلك، كان مؤسس «المصرى اليوم»، الصديق العزيز «صلاح دياب»، من متابعى كتابات «على سالم»، فكانت الفرصة أن أجمع بينهما، ويكتب على سالم فى «المصرى اليوم» أيضا. هذان كانا هما مصدر دخل من هو أشرف من شانئيه جميعا. ولا أعلم كيف كان سيواجه انتشار مرض السرطان اللعين لسنوات، دون هذين المصدرين، يافنانى ومثقفى الغبرة. على سالم، أيضا، هو قصة مشرفة، لكفاح مبدع مصرى، فريد فى موهبته، كفاح منذ الطفولة، كان يحكيها بفخر.. فهو ابن لأسرة، ذات عشرة من الإخوة والأخوات، مات أبوه، وهو يمضى فترة تجنيده، فتم إنهاء تجنيده ووجد نفسه مسؤولا عن عشرة أنفس. كان يحكى بحب وتفاصيل عن كل المهن التى امتهنها منذ طفولته ـ بالتوازى مع دراسته ـ والخبرات المكتسبة منها، درس الإنجليزية وأجادها، وترجم بعضا من الأعمال الإبداعية. صاحب مكان متميز فى مسيرة المسرح المصرى، وترجمت بعض من أعماله لعدة لغات. كتب فى أهم الصحف المصرية والعربية. حاز فى العام ٢٠٠٨ جائزة «جون ترين» للشجاعة الأدبية، وتم تسليمها له فى احتفال أقيم فى مجلس اللوردات.

لمحات

*بعد حضوره حفل تكريمه فى «لندن»، عاد إلى مصر وفى اليوم التالى، بينما كان يقص علينا تفاصيل الحفل والغداء فى مجلس اللوردات، توقف ونادى على «وليد» العامل بالكافيتيريا، وأرسله ليشترى «ساندوتشات فول»، من عربة الفول الشهيرة بالشارع المجاور.

■ ■ ■

*هو الحالم كنت أداعبه حين يسرف فى تفاؤله قائلا «إنت اسمك على حالم». المتفائل العظيم واجه كل المعارك القذرة بنبل وعفة لسان وصبر. حتى المرض اللعين، كان يسخر منه ويصنع منه فكاهة.

■ ■ ■

*لم يكتبوا عنه، فى محنة مرضه، تجاهلوه تقريبا، كتب بعضهم عنه بعد وفاته، وليتهم ما فعلوا، فقد كانت كتابات سخيفة تبدأ بعبارة مملة متكررة، هى: «اختلفت معه ولكن..». كما ادعى بعضهم، أنه «اختلف معه فى موقفه من التطبيع»، ولكنه كان «ضد فصله من الاتحادات والنقابات». وطبعا هذا كذب فاضح، ولا يستحق التعليق.

■ ■ ■

*كانت ـ وستظل ـ موهبة «على سالم»، تمثل لعديمى الموهبة وأنصاف الموهوبين، كابوسا ثقيلا، فألبسوا غيرتهم وحقدهم ثوبا سياسيا زائفا. زايدوا على وطنيته، ومصريته، وكانت مصريته ووطنيته تفيض وتزيد عنهم جميعا، أصحاب العنتريات الكاذبة.

------------------------
الخبر : على سالم.. حالة مصرية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق